الأمير \"تركي الفيصل\" أمير سعودي، اكتسب شهرة بسبب صراحته وأحاديثه الجريئة بشأن الموضوعات المهمة. وفي آخر مداخلاته، اعترض الأمير تركي على الرئيس أوباما بسبب تصريحه الذي قال فيه \"إن اعتماد أميركا على النفط هو أخطر تهديد واجهته في تاريخها\". وكتب الأمير مقالا في عدد مجلة \"فورين بوليسي\" المختصة في شؤون السياسة الخارجية الأميركية، الصادر في الرابع والعشرين من أغسطس الجاري قال فيه: \"إن شعار استقلال الطاقة هو نوع من الادعاء السياسي في أسوأ صوره الممكنة... وهو في نفس الوقت مفهوم غير واقعي، ومُضلَل، ومُضِرْ في النهاية بالدول المنتجة والمستهلكة للنفط على حد سواء، كما أنه شعار كثيراً ما يتم توظيفه للإشارة إلى خطر اعتماد الولايات المتحدة في مجال النفط على بلدي السعودية، والتي يُلقى عليها باللوم في كل شيء تقريبا؛ بدءاً من الإرهاب العالمي وحتى أسعار البنزين المرتفعة\". ونصح الأمير الولايات المتحدة بدلا من التبشير بـ \"استقلال الطاقة\" بأن تعمل على الاعتراف بـ \"الاعتماد المتبادل بين الدول\" في هذا المجال، حيث كتب يقول: \"شاءت أميركا أو أبت، فإنها يجب أن تعترف بأن مصيري الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية مرتبطان ببعضهما بعضا، وسوف يظلان هكذا لعقود طويلة قادمة\". ومن المعروف أن الأمير \"تركي\" كان قد شغل منصب رئيس الاستخبارات السعودية لسنوات طويلة، شغل بعدها منصب سفير المملكة لدى بريطانيا وفرنسا لفترتين قصيرتين. وفي الوقت الراهن يرأس الأمير \"مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية\"، وهو من المراكز الفكرية المرموقة في العاصمة السعودية الرياض. والأمير على حق في قوله إن العالم الصناعي سوف يستمر في الاعتماد على الوقود الأحفوري لسنوات طويلة قادمة، لكن كان يجب عليه في نفس الوقت أن يقول إن تجاهل الإيقاع السريع للتغير التكنولوجي، هو بمثابة دفن للرؤوس في الرمال. وفي دول كبرى تقع في مناطق مختلفة من العالم، يحتدم حالياً سباق من أجل إيجاد بدائل للنفط والفحم. ومن تلك الدول على سبيل المثال الصين التي تحرص في إطار سعيها الحثيث للتحول إلى واحدة من الدول القائدة في العالم في مجال الطاقة البديلة، على العمل بكل ما في وسعها من أجل حماية شركات الطاقة لديها من المنافسة الأجنبية. من أجل هذا الهدف أنشأت الصين أكبر مصنع في العالم لتصنيع ألواح الطاقة الشمسية، تقوم بتصدير 95 في المئة من إنتاجه للولايات المتحدة ودول أوروبا. وفي بكين ذاتها تسعى الصين إلى توليد 20 ألف ميجاوات من الطاقة الشمسية بحلول عام 2020. وفي العام الحالي تجاوزت الصين الولايات المتحدة كأكبر سوق لطاقة الريح في العالم، كما تنوي إنشاء 6 مزارع لطاقة الريح تتراوح الطاقة الإنتاجية للمزرعة الواحدة منها ما بين 10 آلاف و20 ألف ميجاوات. والهند، بدورها، أعلنت عن خطط لاستثمار 19 مليار دولار في مشروعات الطاقة الشمسية على مدى ثلاثين عاما القادمة. وقد حدد تقرير مُرسل لرئيس الوزراء \"مان موهن سينج\" في مستهل شهر أغسطس الجاري الأهداف المتوخاة في تلك الخطط؛ وهي التمكن من إنتاج 20 ألف ميجاوات بحلول عام 2020، و200 ألف ميجاوات بحلول عام 2050. كذلك تولي فرنسا اهتماماً متزايداً لموضوع الطاقة الشمسية، وإن كانت قد حددت هدفاً متواضعاً بالمقارنة مع الصين والهند، وهو إنتاج 1400 ميجاوات من الطاقة الشمسية ترتفع إلى 5400 ميجاوات بحلول عام 2020. نخلص مما سبق إلى أن المنافسة في هذا الحقل تتصف بالشراسة. فقد أعلنت إدارة أوباما هذا الشهر أنها ستخصص ما قيمته 2.3 مليار دولار في صورة خصم ضريبي لمصنعي معدات الطاقة النظيفة. في نفس الوقت، منحت حكومة الولايات المتحدة مِنحاً مالية بقيمة 2 مليار دولار لمنتجي البطاريات المتطورة، وغيرها من مكونات وأجزاء السيارات الكهربائية. وهذه الأموال تأتي من حزمة أوباما للتحفيز الاقتصادي، والتي استلمت كل من \"جنرال موتورز\" و\"فورد\"، و\"كرايزلر\" بموجبها منحاً مالية ضخمة. وأهداف ذلك كله واضحة، وتتمثل في إيقاف الاعتماد على النفط المستورد، وتقليص الانبعاثات الكربونية، وخلق الوظائف، والسماح للولايات المتحدة بالتنافس في حقل الطاقة المتجددة مع العمالقة الصاعدين مثل الصين والهند. في بواكير هذا الشهر كشفت \"جنرال موتورز\" النقاب عن سياراتها الهجينة\" شيفروليه فولت\" التي تدخل مرحلة الإنتاج في أواخر العام المقبل، والتي يتوقع الخبراء أنها ستتمكن من كسر كافة الأرقام القياسية في مجال كفاءة استغلال الوقود. وهذه السيارة تحتوى على بطارية تكفي شحنتها لتشغيل السيارة لمسافة 40 ميلا، كما تحتوي أيضاً على ماكينة بترول صغيرة قادرة على زيادة المدى الذي يمكن أن تقطعه السيارة من خلال قيامها بإعادة شحن البطارية مجدداً، عندما تكون السيارة في حالة الحركة. في أثناء السياقة داخل المدن، وفي الطرق السريعة معاً، من المقدر أن تتجاوز المسافة التي تقطعها السيارة\"فولت\" 100 ميل في الجالون. وفي حالة السياقة في شوارع المدن فقط يمكن أن تقطع السيارة 230 ميل في الجالون الواحد. ويشار في هذا السياق إلى أن شركة نيسان اليابانية تخطط لإنتاج سيارة تعتمد على الكهرباء تماماً ويطلق عليها اسم \"ذي ليف\" أي الورقة، وإطلاقها في السوق الأميركية في موعد أقصاه عام 2012. وهناك مشروع أكثر طموحاً اجتذب اهتمام العلماء والساسة الأوروبيين على حد سواء، يقوم على استغلال شمس الصحراء الكبرى في تزويد أوروبا بالطاقة من خلال بناء محطات طاقة شمسية عملاقة في صحاري شمال أفريقيا، يتم ربطها بخطوط الضغط العالي إلى أوروبا. وقد منحت الحكومة الألمانية دعمها القوي لهذا المشروع المعروف باسم \"ديزيرتك\"، وهو من بنات أفكار الفرع الألماني لما يعرف بـ \"نادي روما\"، وهو منظمة غير ربحية متخصصة في التنمية المستدامة. ومما يشار إليه في هذا السياق أن عدداً من الشركات والمؤسسات الألمانية الكبرى مثل \"دويتشه بنك\" وشركة \"ميونيخ ري\" لإعادة التأمين، قد وحدت صفوفهما من أجل تأسيس \"كونسورتيوم\" يهدف لتنمية المشروع وعمل دراسات الجدوى اللازمة له. قصارى القول، إنه ليس هناك خطر مباشر يهدد بإزاحة النفط العربي جانباً لمصلحة مصادر الطاقة المتجددة الأخرى، لكن هناك خططا في العديد من الدول لتقليص الاعتماد على أنواع الوقود الأحفوري. الدرس الواضح الذي يمكن استنتاجه من ذلك، هو أن الدول العربية لا يجب أن تضيع سنتاً واحداً من عوائدها النفطية، وإنما يجب أن تعمل بدلا من ذلك على تحويل انتباهها للتخطيط من أجل المستقبل تحسباً ليوم قد يحدث فيه تقلص حاد في الطلب على النفط.