كانت صرخة المفكر والمناضل العراقي فالح عبدالجبار مدوية في المؤتمر الناجح الذي عقده مجلس الأمة بالكويت في الأسبوع الماضي تحت عنوان "المنطقة والمستقبل"، ولقد ناشد عبدالجبار العرب وجيران العراق بألم وحرقة أن يتوقفوا عن ذبح العراقيين في الفضائيات وعن طريق المساعدات التي تصرف على التفجيرات، لتتطاير أشلاء لشعب أنهكته الحروب والمقابر الجماعية، وأطلق نداء للمثقفين العرب أن يوقظوا ضمائرهم ويفكروا بالعراقي المنكوب قبل كل شيء. وطلب من مناضلي الحناجر والفضائيات التوقف عن إمداد العنف بالوهم والبطولات الصوتية وتشويه والحقائق، وتساءل بحرقة عن سبب تسمية قتل العراقيين الأبرياء "مقاومة" للمحتل، وتعجب بألم ممن يرون في قتل الشرطة العراقية والتفجيرات العشوائية التي تلتهم العراقيين "نضالا وجهادا".
لقد سبقت صرخة فالح عبدالجبار قتل رئيس مجلس الحكم الانتقالي عزالدين سليم بيومين، ولكنها كانت متزامنة مع سيل من الدماء والقتل العشوائي الممنهج لم تتوقف منذ سقوط الطاغية، ومع تشكيل غريب لم يشهد له التاريخ مثيلا. فلقد وقف الصداميون مع اللادنيين يساندهم الزرقاويون ويدعمهم المجاورون بإسناد من الفضائيين (نسبة إلى الفضائيات) ضد الاستقرار في العراق، وتعهدوا وتعاهدوا على ألا يهنأ العراق الجريح بالاستقرار، وأقسموا على نشر الرعب والدمار تحت ذريعة مقاومة الاحتلال.
سوف يتم تشكيل حكومة انتقالية نهاية شهر مايو الحالي استعدادا لتسلم السلطة كاملة من الاحتلال نهاية شهر يونيو، ثم يتم اقتراح دستور دائم للبلاد من قبل الحكومة المؤقتة يطرح للاستفتاء، وتتم على ضوئه انتخابات عامة نهاية العام القادم. وهذا السيناريو إذا ما كتب له النجاح، فإنه الضمانة الحقيقية لولادة عراق جديد لا مكان للبطش فيه، ولا مقاعد للطائفيين والمتطرفين والصداميين في مسرح أحداثه.
إن العراقيين في سباق مع الزمن، والظلاميون يدركون بغريزتهم الظلامية أن الاستقرار والديمقراطية في العراق تعني بداية زوالهم من الصورة، وكلا الفريقين يتسابقان على أهدافهما: الأول ينشد السلم والازدهار، والثاني يعيش على القتل والدمار.
لقد وقف العرب عموما في موقف المتفرج طيلة فترة حكم الطاغية، ولم تهتز فيهم عضلة طيلة معاناة العراقيين، ولكن بعضهم اليوم يتباكى على حقوق الإنسان في أبو غريب، ويذرف الدموع على انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات الاحتلال، ويدفعون العراق نحو الفوضى دون تقديم بديل سوى مطلب رحيل قوات الاحتلال التي لا يختلف عراقيان على ضرورة رحيلها في نهاية الأمر. ولكن الغالبية من الشعب العراقي تدرك أن رحيل قوات التحالف المبكر سوف يعقبه انزلاق نحو الفوضى والهاوية، وسوف "يأكل العراقيون لحم بعضهم بعضا"، كما ذكر الدكتور غسان العطية أحد المشاركين في مؤتمر "المنطقة والمستقبل".
لقد وجه بعض المشاركين العراقيين في ذلك المؤتمر الاتهام إلى إيران وسوريا بالاسم بدعم الإرهاب في العراق، وناشدوا جيران العراق جميعا بالكف عن كل ما من شأنه تأجيج الأوضاع الدامية، ومن ثم تأجيل انتقال السلطة واستمرار الاحتلال والفوضى، واختلف الإيرانيون والسوريون مع متهميهم وحملوا الاحتلال وحده مسؤولية ما يجري في العراق.
لقد ارتكب التحالف أخطاء جسيمة أدت إلى خطايا كبرى في العراق، مضافا إليها تدخل بعض الأطراف الإقليمية الذي زاد الطين بلة، ولم يبق للعراقيين سوى الورقة الأكيدة والأخيرة وهي تماسكهم وتلاحمهم وتفويت الفرصة على الغرباء والإرهابيين بينهم، وإصرارهم على اجتياز هذه المحنة وتجاوز المرحلة الانتقالية بأقل قدر ممكن من الخسائر. في العراقيين وحدهم وليس غيرهم يكون الأمل ولم يبق سواهمُ أملاً.