أخطر أنواع المشاعر التي تمتلك اللبناني هو الشعور بعدم القدرة على التفاهم بين القيادات السياسية اللبنانية. فهو أمر يضعف الأمل كي لا أقول يقتل الأمل بإمكانية الخروج من الأزمة السياسية الكبرى التي تعيشها البلاد والتي يصنفها البعض في خانة أزمة نظام. ويقول بعض آخر: إنها أزمة رجال وقادة. إذ لم يعد ثمة رجال وقادة بمستوى المرحلة وتحدياتها ورسم مصير ومستقبل البلد. ويضيف هذا البعض: إن الأسباب ذاتها لا تزال قائمة في البلاد منذ عقود، ومعرفة التعاطي معها ومعالجتها هي العنصر الكفيل بحماية البلد. وقد مرت فترات كان فيها رجال حموا البلد بتسويات، ربما أجلوا الحلول أو انفجار الأزمات. لكنهم ابتدعوا تسويات. اليوم يقف الجميع عاجزاً متسائلاً: لماذا التأخر في تشكيل الحكومة اللبنانية؟ أهي أزمة نظام أم أزمة قادة ورجال؟ أهي أزمة داخلية أم أزمة خارجية إقليمية، وربما أبعد ومظاهرها داخلية عن أرض لبنان؟ إذا كانت أزمة نظام، فليس ثمة إمكانية للمعالجة الآن. فالنظام الحالي المعروف بنظام الطائف، كلف الوصول إليه الكثير والكثير من الدم والتضحيات والآلام والمعاناة والخسائر المادية والاقتصادية الهائلة في لبنان. ولم يكن هذا النظام حلاً في حينه. كان مدخلاً إلى الحل، لكنه أتاح فرصة وقف الحرب أمام اللبنانيين. وبالتالي فرصة استعادة الحوار بين بعضهم بعضاً لاستخلاص الدروس والعبر مما جرى والعمل على تنفيذ الاتفاق، وإعادة بناء الثقة لإعادة بناء المؤسسات والتفكير بتطوير النظام لاحقاً. وأعتقد أن كثيراً من الإيجابيات قد تحقق وكثيراً من السلبيات قد ظهر وكثيراً من البنود لم يتحقق بعد حتى أصبحنا اليوم ومنذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بل منذ قرار التمديد للرئيس السابق أميل لحود، في أزمة مفتوحة. فإذا اعتبرناها أزمة نظام، وكل زعيم يريد المحافظة على مكاسب طائفته وزيادة هذه المكاسب، والتمسك بحقوق هذه الطائفة أو تلك وهذا المذهب أو ذاك ونحن في مرحلة صراع وتشنج واحتقان منذ مايو 2008 بشكل خاص، فإن خوفنا قائم من احتمال اندلاع فتن مذهبية خطيرة تظهر مؤشراتها من حين إلى آخر على الأرض، وفي الوسط السياسي من خلال الاستنفار والتعبئة في صفوف هذا المذهب أو ذاك، وهذه الطائفة أو تلك، وبالتالي ينحصر العمل الآن على التخفيف من حدة التشنجات والاحتقان لمنع الوصول إلى الفتنة، مما يعني أن المساس بالنظام وصيغته القائمة الآن أمر غير ممكن من جهة، وقد يشكل صراعاً كبيراً وخطيراً من جهة ثانية، ويكفينا ما لدينا وللأسف من أسباب واقعية أو مفتعلة لإثارة هذا الصراع. وإذن ماذا نفعل؟ منطق الأمور يقول: نذهب إلى تدوير الزوايا، إلى معالجة الأمور بحكمة. بهدوء. بتنازلات متبادلة بعيداً عن العناد والمكابرة والغرور والاستهتار بالناس من خلال التمسك بمطالب شخصية لا يمكن الدفاع عنها وتبريرها مهما قدم من ذرائع وأسباب. هنا نأتي إلى السؤال الأهم: أهي أزمة قادة ورجال؟ نعم هي أزمة من هذا النوع تدفع كثيرين إلى الترحـّم على ما كان قائماً في لبنان وعلى رجالاته السابقين، وبين المترحمين وللأسف من كان يقف ضد النظام السابق ومعظم رجالاته. والسبب في ذلك عدم الاطمئنان لدى اللبنانيين إلى ما يدور في لبنان وإلى تدني مستوى العمل السياسي والأداء السياسي والخطاب السياسي على مستوى القادة، وبالتالي الخوف من تدني مستوى القيادة السياسية. وهذا الأمر ينسحب على مجالات عديدة في الإدارة والمؤسسات والإعلام وكل جوانب الحياة في لبنان. إنها حقيقة مؤلمة. ولم يعد ثمة معيار في التعاطي مع أي قضية عندما يتم اللجوء إلى التسييس ومنه إلى المذهبة والتطييف أو الشخصنة. ساعتئذٍ يصبح كل شيء مبرراً أو كل شيء موضع شك وتساؤل فتضيع الحقيقة ولا تعود ثمة إمكانية لمراقبة ومحاسبة هذا إذا وجد من يريد المراقبة والمحاسبة. لست لأقدم صورة سوداء متشائمة عن واقع البلد المأزوم ولأقفل الباب على احتمالات وجود رجال مؤمنين مصلحين وإصلاحيين ويريدون الخير للبلد، لكن دورهم محدود. ومع ذلك أقول لا بد من هذا الدور ومن التحدي كي لا يضيع لبنان، كي لا يقع في متاهات المذهبية والطائفية والتشرذم، وكي لا نوقع بأنفسنا على ما يقوله عنا بعضهم في الخارج وبدأ عددهم يزداد. يبدو أنكم كلبنانيين غير مهتمين وقادرين على حكم بلدكم وإدارة شؤونكم بأنفسكم، وهو البلد الأجمل والأحب إلينا. نعم ثمة من يقول عنا ذلك مجدداً اليوم بسبب أزمة تشكيل الحكومة. ولذلك لا يجوز الاستمرار في هذا الوضع. فمن يرى منا أن إسرائيل تعرقل أو تضغط لعرقلة تشكيل الحكومة عليه أن يواجهها بالإسراع في التشكيل. ومن يرى أن أميركا لا تريد حكومة وتريد عرقلة الحوار بل العلاقة السعودية- السورية معني أيضاً بالإسراع في توطيد العلاقة وفي إنتاج الحكومة. ومن يرى أن الوضع الاقتصادي الاجتماعي السياسي ضاغط على الناس ويستوجب تحركاً لمواجهته مع أزمة الدَّين العام المفتوحة ينبغي عليه المساهمة في إنتاج الحكومة وإسقاط كل الأعذار. إن أي تصرف خارج هذا السياق يعني زيادة التشنج في الداخل وفتح كل الأبواب للخارج. والأخطر من ذلك أن ثمة من يتحدث عن مواعيد للحكومة بعد شهر رمضان، ولا أدري على ماذا يبنى هذا التحديد، وثمة من يتحدث أيضاً عن حرب إسرائيلية مقبلة ضد لبنان في العام المقبل. وكلام أو توقع أو تحليل أو قراءة أو احتمال بهذه الخطورة لا يواجه بالتعقيد في الداخل وبترك البلد مكشوفاً ودون مؤسسات، وانعكاسات ذلك خطيرة على كل الناس والمناطق. وعلى هذا الأساس، من حق الرئيس المكلف سعد الدين رفيق الحريري الذي صبر وتحمل الكثير في مشاوراته لتشكيل الحكومة أن يتخذ الخطوة الدستورية التي يراها ضرورية لوضع الجميع أمام مسؤولياتهم للمساهمة في إنتاج حكومة الوحدة الوطنية ولا سيما أن الاتفاق على أساسها السياسي أي البيان الوزاري قد تم بعناوينه الكبرى، كما الاتفاق على الصيغة الحكومية والعدد 15 + 10 + 5 وعلى مشاركة كل الأطراف الرئيسية فيها. بما يعني أن المفاصل الأساسية قد حسمت فلا يجوز افتعال مشاكل وتعريض البلد لشتى أنواع الاحتمالات الخطيرة. هنا امتحان القيادة. هنا امتحان الرجال. وهنا المدخل لحل الأزمة. فليثبت قادتنا أنهم رجال وعلى مستوى القيادة.