تبنى حزب "العمل" الإسرائيلي في مؤتمره العام قبل نحو شهر، ما اعتبره المحللون والكتاب الإسرائيليون "ميثاقا" جديداً يعزز موقع رئيسه وزير الحرب إيهود باراك. فقد كان الحزب مهدداً بالانقسام، لولا موافقة باراك على إجراء الانتخابات الحزبية التمهيدية المقبلة في عام 2012 بدلا من عام 2013، مع استمرار كيل الاتهامات لباراك من قبل خصومه الحزبيين بالسعي إلى فرض "ديكتاتوريته" رغم النتائج السيئة للحزب في الانتخابات التشريعية في فبراير الماضي. ورداً على هذه الانتقادات، قال باراك: "سموني يوماً تشافيز ثم سموني صدام حسين. إنها محاولات لانتزاع كل شرعية مني، لن أستسلم للأفكار الديكتاتورية لبعض الأعضاء". ومع قيام الدولة الصهيونية في عام 1948، تولى حزب "العمل" الحكم في إسرائيل، حتى جاء اليمين لأول مرة إلى السلطة في ذروة "انقلاب 1977". ومنذئذ، بدأ تراجع "العمل" ببطء حتى سجل أسوأ نتيجة في تاريخه بقيادة إيهود باراك في الانتخابات التشريعية الأخيرة (13 نائباً من أصل 120). فاليسار العمالي الصهيوني، الأب المؤسس لإسرائيل، ظل بائتلاف أحزابه وحركاته الثلاث (الماباي، والمابام، وأحدوت هعفودا، ثم مع "حزب رافي" بعد انشقاق بن جوريون عن "الماباي 1965") ظل يملك قوة مسيطرة في الكنيست لم تنزل في مستواها عن 59 مقعداً بين عامي 1949 و1969، فيما كان سقفها الأعلى في الفترة ذاتها 65 مقعداً. وقتها، قوة اليمين القومي، ممثلا في حزب "حيروت" بزعامة مناحيم بيجن تراوحت بين 14 و19 مقعداً بين عامي 1949 و1961. بل إنه، حتى بعد توحد "حيروت" مع كتلة الوسط الليبرالية المعادية ليسارية العماليين وتشكيلهما لحركة "جاحال"، لم يحصد ذلك التكتل سوى 27 مقعداً في انتخابات 1965. ومع أن تصنيف الأحزاب الإسرائيلية إلى "يسار" و"يمين" مضلل، فإن سؤالا يطرح نفسه: لماذا انهار "اليسار" الإسرائيلي مقابل تعاظم قوة "اليمين"؟! في هذا الصدد، يقول الباحث والمؤرخ الإسرائيلي البروفيسور "شلومو بن عامي" الذي شغل حقيبتي الخارجية والأمن الداخلي سابقاً "إن "أهم سبب قاد إلى تعاظم اليمين الإسرائيلي وتراجع اليسار، هو التغيرات الديموجرافية والإثنية التي طرأت داخل إسرائيل. فأسفرت عن ثلاثة قطاعات سكانية رئيسية هي: المهاجرون الروس الجدد، والشرقيون، والمتدينون، حيث لم تنجح قوى اليسار في اختراقها، وهي قطاعات خضعت منذ البداية لتأثير نخب مثقفة ذات توجهات يمينية صرفة". أما البروفيسور "سامي ساموحا"، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة حيفا، فيضيف شارحاً أن "الرغبة في التميز عن المهاجرين المخضرمين دفعت المهاجرين الجدد لتبني المواقف اليمينية المتطرفة، واتخاذ مواقف عنصرية من العرب للتدليل على إخلاصهم للوطن الجديد، على اعتبار أن المواقف العدائية من العرب ينظر إليها كدليل على الوطنية". ويتابع "ساموحا" تحليله: "تبني المواقف المتطرفة هي ماركة الوطنية المسجلة في إسرائيل بالنسبة للمهاجرين الجدد". وفيما يتعلق بالشرقيين، يرى البروفيسور "يهودا شنهاف"، رئيس جمعية مختصة بالدفاع عن حقوق اليهود الشرقيين في إسرائيل، أن "معظم الشرقيين يرون أن الأحزاب اليمينية هي الكفيلة بالدفاع عن حقوقهم ومصالحهم وإنصافهم من الغبن الطائفي الذي يعانون منه منذ قيام الدولة"، منوهاً إلى أن "الاستسلام لهذه القناعة دفع اليهود الشرقيين لمنح ولائهم بشكل أساسي إما "لليكود" أو حركة "شاس" الأكثر تطرفاً، والتي رفعت راية رفع الغبن ومواجهة التمييز ضد الشرقيين". وفيما يتعلق بالمتدينين، فأسباب اندفاعهم نحو التوجهات المفرطة في التشدد، تعود لخضوعهم لمرجعياتهم الدينية المتطرفة. من جهته، يقول "عوزي بنزيمان" رئيس تحرير مجلة "العين السابعة"، إن "اليسار ضعُفَ ليس بسبب أدائه وإنما بسبب تعمق وترسخ الميول المتشددة في الرأي العام الإسرائيلي. فنتائج الانسحاب من لبنان والحرب على غزة تعتبر في نظر الجمهور برهاناً أكيداً على عداء العرب الدائم لإسرائيل ودليلا على فشل نهج السلام". أما الجنرال المتقاعد والباحث البارز "شلومو جازيت" فيرى أن "انتهاء حرب غزة بدون خسائر كبيرة للجانب الإسرائيلي، ساهم في تكريس قناعة الجمهور الإسرائيلي بأهمية عوائد الحرب، وهو ما فاقم التوجه نحو اليمين". وحقيقة الأمر، أن أحد أهم العوامل التي أدت لانهيار "اليسار"، يتجلى في كون "المجتمع" الإسرائيلي لم يعد يلمس فروقاً أيديولوجية مهمة بين أحزاب اليسار واليمين. ولعل الدليل على ذلك هو الائتلاف الحكومي الحالي بين "ليكود" و"العمل" بوجود "إسرائيل بيتنا". كذلك، ومن ناحية أيديولوجية، يجمع اليسار واليمين على أهمية الاستيطان لإسرائيل، وعلى أن "القدس الموحدة" عاصمة لها، وأنه لا عودة للاجئي 1948، بل إن ذلك "اليسار" هو الجراح الذي زرع "سكين" جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية. يقول الكاتب "أوريئيل لين" في مقال حديث له: "ما يجري يعيدني إلى مشاهد الأزمة المستحكمة في الحزب الذي عُرف ذات مرة كحزب ليبرالي في إسرائيل. يمكن أن نسمي هذا ميلا للدمار الذاتي المعروف مسبقاً. فالنزاعات الحزبية الداخلية المتواصلة تشكل أحد السبل المجرّبة لدمار الحزب. وبقدر ما تأتي هذه النزاعات الداخلية تعبيراً كذلك عن نوازع التردد الشخصي، بقدر ما تقرر صورة الحزب في نظر الجمهور وتضعف ثقة الجمهور به". من جانبها، ترى أسرة تحرير "هآرتس" في افتتاحية بعنوان "سياسة باراك... انتهازية تهكمية"، أن باراك كزعيم لحزبه، "مسؤول عن هزيمته في الانتخابات. وكوزير للدفاع هو المسؤول عن حرب عديمة الجدوى في غزة. كما أن وصف الجنود لما حصل في غزة، وفقا لما نشر في الصحافة، يطرح أسئلة خطيرة حول ادائه كوزير للدفاع. السبيل الوحيد لإصلاح الأضرار التي ألحقها باراك بحزبه هو التوجه نحو المعارضة. من هنا فقط يمكن لحزب العمل، المتضرر والمضروب، أن يرمم نفسه. من حق باراك أن يفكر على نحو مغاير، لكن محظورا عليه أن يضلل بذلك حزبه والجمهور، ويجب على الحزب أن يقول الآن شيئاً عن وقاحته وعن إدارته وكأن الحزب ساحته الخاصة". أما الكاتب "جدعون ليفي" فيستخلص أن "اليسار الإسرائيلي مات في عام 2000"، وتحديداً بعد اندلاع انتفاضة الأقصى، مضيفاً: "زعيم الحزب باراك هو الذي أعدم اليسار في سنة 2000، وهو الذي دفنه في سنة 2009، عندما أقنع الرأي العام الإسرائيلي أنه لا يوجد شريك فلسطيني في عملية التسوية". ومن جهتنا نقول: "إن كانت انتهازية حزب العمل وزعيمه قد أبقت باراك فاعلا في الساحة السياسية نتيجة قبوله كمحاور للولايات المتحدة وأوروبا (بديلا عن وزير الخارجية المتطرف ليبرمان) فإن تلك الانتهازية وذلك الزعيم أخرجا الحزب، بشهادة محللين إسرائيليين عديدين، من ساحة "اليسار" الذي بات مشكوكاً في وجوده.