يمثل قرار الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بترشيح "أحمد وحيدي"، الرئيس السابق لشعبة العمليات السرية بفيلق "القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، لتولي منصب وزير الدفاع، دليلا آخر على المنحى المتشدد الذي يعتزم الرئيس الإيراني مواصلته مع الغرب في سياسته الأمنية، فضلا عما يشير إليه هذا التعيين المثير للجدل من رغبة أحمدي نجاد في مواجهة خصومه في الداخل، لاسيما الذين منهم لم ينسوا الطريقة التي فاز بها في الانتخابات، أو المتحفظين على سياساته الخارجية وتداعياتها الخطيرة على إيران. لكن هذا الاختيار لن يمر دون مشاكل، بحيث ينتظر نجاد تحد كبير داخل البرلمان الذي من مهامه المصادقة على مرشحي الرئيس قبل تسلمهم لمهامهم، وبالطبع إذا تحفظ البرلمان على أحد المرشحين وعارضت أغلبية النواب اختياره، سيكون على الرئيس مراجعة قائمة المرشحين الذين يفترض انضمامهم إلى حكومته القادمة. ومن بين أشد المعارضين المحتملين لاختيار "وحيدي" وزيراً للدفاع، رئيس البرلمان نفسه، علي لاريجاني الذي شغل منصب كبير المفاوضين الإيرانيين مع الغرب حول المشروع النووي لإيران. وإن كان لاريجاني ينتمي إلى جناح المحافظين في السياسة الإيرانية، إلا أنه أيضاً أحد خصوم أحمدي نجاد ولا يريد التصعيد مع الغرب بشأن الملف النووي تفادياً لفرض عزلة دولية على إيران واشتداد الضغوط الدولية على قادتها، لذا يبدو لاريجاني واعياً بما سيترتب على تعيين "وحيدي" في وزارة الدفاع من تداعيات قد لا تخدم مصلحة إيران في علاقاتها المتوترة مع الغرب، لاسيما بعد مجيء إدارة أوباما التي أبدت استعدادها للتحاور مع الجمهورية الإسلامية وأعلنت رغبتها في تسوية الملف النووي الإيراني بالطرق السلمية. لكن أكثر من معارضة البرلمان لتعيين "وحيدي"، فإن اسمه يوجد على لائحة الإنتربول لما قيل إسرائيلياً عن تورطه في تفجير استهدف مركزاً يهودياً في العاصمة الأرجنتينية، بونيس آيرس، في عام 1994، التفجير الذي أسفر عن مقتل 85 شخصاً وجرج أكثر من 200 آخرين. وبحسب المدعي العام الأرجنتيني، "ألبيرتو نيسمان"، فإن هناك أدلة تؤكد "مشاركة وحيدي في العملية، فضلا عن موافقته عليها خلال اجتماع عقد في إيران بتاريخ 14 أغسطس 1993". وكانت تلك العملية التي هزت العاصمة الأرجنتينية أسوأ تفجير تشهده البلاد في تاريخها. والمفارقة أن المعارضة الدولية التي خلفها ترشيح نجاح لوحيدي والاستياء الذي عبرت عنه أكثر من دولة غربية، ربما يدفع البرلمان المحافظ إلى المصادقة على تعيينه تجنباً لأي اتهام بالخضوع للغرب ولإبعاد الادعاء بأنه يساير المصالح الأجنبية على حساب المصلحة القومية للبلاد. لكن إذا حدث ذلك ووافق البرلمان على مرشح نجاد لوزارة الدفاع، فستتعقد الأمور بالنسبة لإيران، وبخاصة في حال سفر "وحيدي" إلى الخارج، بحيث ستلاحقه الاتهامات أينما حل، بل هناك من الدول من ستسعى إلى إلقاء القبض عليه، اللهم إذا اقتصرت زياراته على دول بعينها؛ مثل كوبا وكوريا الشمالية وميانمار وفنزويلا... التي تناهض الغرب وتعارض سياساته. ومع أن وجود اسمه في قائمة الإنتربول لا يعني صدور قرار باعتقاله، إلا أن الدول التي تربطها اتفاقيات ترحيل المتهمين مع الأرجنتين التي صدر فيها قرار بالاعتقال، قد تجعل الحياة صعبة بالنسبة لوحيدي إن هو حل زائراً بها. والمشكلة لا تقتصر على وحيدي وتاريخه المثير للجدل، بل تمتد إلى ترشيحات أخرى لعضوية الحكومة القادمة من المتوقع أن تثير معارضة البرلمان المحافظ؛ مثل النساء الثلاث اللواتي رشحهن أحمدي نجاد لتولي وزارات الصحة والتعليم والرعاية الصحية، هذه الترشيحات قوبلت بتحفظ من بعض نواب البرلمان، سواء لأنهن نساء، أو لنقص التجربة كما يقول البعض الآخر. غير أن العلاقات المتوترة بين البرلمان والرئيس لم تمنع البعض من التخفيف من شأنها وترجيح كفة أحمدي نجاد في تجاوز الخلافات مع نواب البرلمان؛ وذلك أولا بسبب الرهانات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة المطروحة على أجندة البرلمان والحكومة والحاجة الماسة للتعاون بشأنها، وثانياً لأن المرشد الأعلى، علي خامنئي، لن يسمح بتفجر الخلاف بين الطرفين وتأثير الاضطرابات الأخيرة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية على سير الحكومة، أو النيل من مصداقيتها في وقت يسعى فيه النظام إلى تضييق مساحة الانقسام الحاد بين نخبه وإرجاع اللحمة والتماسك إلى المؤسسات الحاكمة بعد الشرخ الواضح الذي أصابها على خلفية الاحتجاجات الشعبية الأخيرة. بيد أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن الأزمة السياسية في إيران قد انتهت بعد إخماد المظاهرات ومثول المعارضين أمام محاكم صورية و تشكيل الحكومة... فالاجتماع القادم للجمعية العمومية في الأمم المتحدة، والذي يتوقع أن يحضره الرئيس الإيراني ومعه الملف النووي العالق، قد يضع إيران من جديد أمام مواجهة مع جيرانها والغرب، في مؤشر إلى احتمال عودة التوتر ومعه الاضطرابات الداخلية. هذا الاجتماع المرتقب والذي لا شك أنه سيتطرق للملف النووي الإيراني والمفاوضات المتوقفة، سيضع إدارة أوباما أمام استحقاق حاسم يتعين عليها بموجبه التوصل إلى قرار واضح بشأن الطريقة الأمثل للتعامل مع إيران، ويأتي ذلك في وقت بدأت فيه قضايا خارجية أخرى؛ مثل الصراع العربي الإسرائيلي، ومستقبل العراق، والحرب في أفغانستان... تؤرق الإدارة الأميركية. ومع أن الجميع يعرف قدرة أوباما الخطابية في الحديث عن السياسة الخارجية الأميركية، وعلاقة أميركا بالإسلام، إلا أن الجميع ينتظرون قرارات حاسمة وصعبة بشأن الحرب والسلام، في وقت يركز فيه الأميركيون على القضايا الداخلية وهواجس الركود الاقتصادي، ناهيك عن تراجع شعبية أوباما في أوساط الرأي العام الأميركي. ومن المتوقع أن تبقى مشكلة الملف النووي الإيراني مخيمة على الإدارة الأميركية باعتبارها إحدى التحديات المهمة التي يتعين التعامل معها خلال الشهور القادمة، لاسيما إذا لجأت القيادة الإيرانية إلى الدخول في مواجهة مع الغرب كأفضل وسيلة للتخفيف من حدة الاضطرابات الداخلية وإعادة حشد الرأي العام لمواجهة الخطر الخارجي.