على الرّغم من أهمية الدور الذي تقوم به الأجهزة الأمنية المختلفة ومحوريّته في حماية أمن المجتمع واستقراره، وصيانة حياة أفراده، فإن الأمن في حقيقته مسؤوليّة الجميع، وليس أجهزة الأمن فقط. وتزداد أهميّة هذه الحقيقة مع التطوّرات الكبيرة التي لحقت بطبيعة الجرائم والتعقيد الذي أصبحت عليه بحيث تحتاج المواجهة الفاعلة والجادة لها إلى المشاركة بين جهات وقوى مختلفة في المجتمع، أمنية وأهلية وإعلامية وتعليمية وغيرها، وإلى خطط ورؤى تختلف عن تلك المتعلّقة بالجرائم التقليدية. ولعل جرائم "النصب الإلكتروني والهاتفي" التي تصاعدت بشكل ملحوظ على المستوى العالمي بالتلازم مع ثورة الاتصالات، وبدأت تظهر بصورة ملحوظة على الساحة الإماراتيّة خلال الفترة الأخيرة، هي مثال معبّر عن التطور الذي لحق بطبيعة الجريمة وطريقة التعامل معها، وكيف أنها غدت تحتاج إلى مقاربة شاملة لمواجهتها يعدّ الجانب الأمني أحد أركانها الأساسية، لكنه ليس ركنها الوحيد، ولذلك فإن وزارة الداخلية في دولة الإمارات، التي أدركت باكراً حقيقة التحولات في عالم الجريمة، وسعت إلى شراكة فاعلة وحقيقيّة مع المجتمع في التعامل معها من خلال إنشاء إدارة الشرطة المجتمعية، تتبنّى في التصدي لعمليات "النصب الإلكتروني" استراتيجيّة شاملة تنطلق من شعار له مغزاه الكبير وهو أن "الأمن مسؤولية الجميع"، في تأكيد لأهمية انخراط فعاليات المجتمع الإماراتي وقواه كلّها في مجابهة هذا النوع من الجرائم الخطرة التي تقع ضمن فئة الجرائم المنظّمة ومتعدية الحدود، وهذا ما يتضح من خلال العديد من الأمور، أولها حملات التوعية التي تهدف إلى تنبيه الناس على مصادر الخطر الذي يمكن أن يقعوا فيه، وتحذيرهم منه، وتعريفهم طريقة التعامل معه، وتأتي في هذا الشأن الحملة الإعلاميّة التي أطلقتها وزارة الداخليّة ضد جرائم "النصب الإلكتروني والهاتفي" التي حرصت وتحرص فيها على الاتصال المباشر مع الناس من خلال ملايين الرسائل النصية. الأمر الثاني هو الاستطلاعات التي تجريها وزارة الداخلية لرأي الخبراء والجمهور، فضلا عن بعض ضحايا جرائم "النصب الإلكتروني"، وذلك للوقوف على الجوانب المختلفة للظاهرة، والتعرّف على عناصرها كلّها، وإطلاع أفراد المجتمع عليها في إطار من الشفافيّة والوضوح. الأمر الثالث هو التعاون بين أجهزة الأمن ومؤسسات المجتمع الأخرى مثل شركات الاتصالات، ومؤسسات القطاع الخاص، والجمعيات الأهلية، ووسائل الإعلام وغيرها، في تنفيذ برامج المواجهة والتوعية. إن الأرقام التي تكشف عنها وزارة الداخلية حول جرائم "النصب الإلكتروني" تشير إلى خطورتها وتزايدها، وإلى أن الإمارات مستهدفة من القائمين عليها، سواء بسبب انفتاحها وتقدّم وسائل الاتصال بها، أو بسبب ارتفاع مستوى المعيشة فيها، حيث بلغ إجمالي عدد البلاغات الخاصة بهذا النوع من الجرائم على مستوى إمارة أبوظبي فقط منذ بداية عام 2009 حتى منتصف شهر يوليو الماضي، وفق بيانات شرطة أبوظبي، نحو 108 بلاغات، وصل إجمالي المبالغ المستنزفة فيها نحو ربع مليون درهم، وهذا يعطي التصدّي لها أهمية خاصة. ولكي تكون المواجهة فاعلة ومؤثرة لابدّ من تجاوب قوى المجتمع المختلفة مع حملات وزارة الداخلية ودعواتها إلى المشاركة والمساعدة، بدءاً من الأسرة، ومروراً بمؤسسات الإعلام والتعليم، وانتهاءً بالمجتمع الأهلي والقطاع الخاص، خاصّة أن العصابات التي تمارس هذه الجرائم تتسم بالاحترافية الشديدة في اختيار الفئات المستهدفة وتطبيق أساليبها في التحايل عليها. وقد أشارت استقصاءات الأجهزة الأمنيّة إلى أن الشباب والمتعثرين اقتصادياً والعاطلين عن العمل، هم الأكثر استهدافاً من قبل هذه العصابات، ولذلك فقد كان لافتاً للنظر دعوة وزارة الداخليّة للأسر لممارسة دورها في نصح أبنائها وإرشادهم، حتى لا يقعوا فريسة لعمليات النصب والاحتيال عبر الهاتف أو "الإنترنت".