شهد الأسبوع الماضي، وللمرة الأولى، فعاليات ونشاطات في العديد من دول العالم بمناسبة الذكرى الأولى لليوم العالمي للعمل الإنساني (World Humanitarian Day)، الذي يحل في التاسع عشر من شهر أغسطس. وتأتي إضافة هذا اليوم لأجندة الفعاليات الدولية، بعدما اتخذت الجمعية العمومية للأمم المتحدة خطوة تاريخية في ديسمبر الماضي، بتبني بنود مشروع القرار المقدم من الحكومة السويدية، والخاص بدعم ومناصرة وتنسيق جهود الإغاثة لوكالات الأمم المتحدة في أوقات الأزمات والطوارئ، مع تخصيص يوم دولي للعمل الإنساني. ويتوافق التاريخ المخصص لهذا اليوم، أو التاسع عشر من شهر أغسطس، مع حادثة الهجوم الإرهابي ضد مقر الأمم المتحدة في بغداد عام 2003. ففي عصر ذلك اليوم، قام إرهابي يقود سيارة محملة بالمتفجرات والذخيرة، بالهجوم على مقر الأمم المتحدة (United Nations Assistance Mission)، ليقتل 22 شخصاً، بما في ذلك المفوض الخاص "سيرجيو دي ميلو" ، وليجرح ويصيب مئات آخرين. والغريب أن هذا المقر الذي كان قد انشئ قبل خمسة أيام فقط من الهجوم عليه، كان الهدف منه هو مساعدة الشعب العراقي من خلال تنسيق الأعمال الإنسانية بعد الحرب، ولكن هذا لم يمنع من تعرضه لهجوم آخر بعد أقل من شهر من الهجوم الأول، وهو ما اضطر الأمم المتحدة إلى إغلاق المقر، وسحب جميع موظفيها في العراق وعددهم 600 موظف. وبخلاف التأثير المحلي المتمثل في إغلاق المقر، أدت هذه الأحداث إلى تغيير جوهري ودائم في الأسلوب الذي أصبحت الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، تمارس به أعمالها حول العالم. وبالإضافة إلى هذا التأثير، أظهر هذا الهجوم جانبين مهمين في الواقع الحالي للعمل الإنساني الدولي. أولا: حجم المخاطر التي يتعرض لها العاملون في هذا المجال، وثانياً: أهمية الموقف السياسي الذي تتخذه المنظمة الدولية مبدئياً، في تحديد موقعها وتقبلها بين السكان المحليين لاحقاً. فبعد غزو العراق للكويت، أصدر مجلس الأمن -التابع للأمم المتحدة- القرار رقم 661، الذي نص على تطبيق عقوبات اقتصادية شديدة على العراق، مع فرض حظر تجاري كامل، باستثناء المواد الغذائية، والمستلزمات الطبية، والاحتياجات الإنسانية. وعلى رغم أن هذا القرار حظي بموافقة ورضا غالبية المجتمع الدولي، إلا أن صدور قرار آخر -رقم 687- بعد انتهاء الحرب وخروج العراق من الكويت، قد أثار أسئلة لدى الكثيرين. وخصوصاً أن القرار الجديد، زاد من حدة العقوبات الاقتصادية، وتشعب في جوانبها، وربط رفعها بالتخلص من أسلحة الدمار الشامل. وغني عن الذكر هنا حجم المعاناة الإنسانية، والدمار الاقتصادي والاجتماعي الذي تسببت فيه تلك العقوبات للشعب العراقي، والتي يقدر البعض أنها عادت بالعراق إلى العصور الوسطى. وكانت الطامة الكبرى أنه بعد ثلاثة عشر عاماً من العقوبات، التي بدأت في أغسطس 1990، ورفعت في مايو 2003، وبعد سنوات من البحث والتحري، لم يتم العثور على أي نوع من أنواع أسلحة الدمار الشامل. وبما أن هذه العقوبات كانت قد فرضت من قبل إحدى منظمات الأمم المتحدة، وجرى تطبيقها وإدارتها أيضاً من قبل الأمم المتحدة، تولد شعور لدى بعض العراقيين بأن الأمم المتحدة كانت شريكاً وأداة رئيسية في الظلم الذي وقع عليهم. وبغض النظر عن صحة هذا المنطق أو خطئه، ارتأت بعض المنظمات الإرهابية التي أدعت مسؤوليتها عن تفجير المقر، أن السبب خلفه كان موقف الأمم المتحدة من العراق قبل الحرب. والحال أن مثل هذا السيناريو يتكرر بين وقت وآخر، عندما تتعرض منظمة دولية ما للهجوم، ولقتل العاملين فيها، أثناء قيامها بأعمال إنسانية، بسبب موقفها السياسي السابق من أطراف الصراع. والجانب الآخر الذي يسعى القائمون على فعاليات اليوم العالمي للعمل الإنساني هذا العام إلى إظهاره، هو الزيادة المطردة في أعداد من يلقون حتفهم أثناء تأدية عملهم من بين موظفي المنظمات الخيرية الدولية. فعلى رغم أن العاملين في تلك المنظمات -مثل الهلال الأحمر والصليب الأحمر- دائماً ما تمتعوا بحماية قانونية دولية، واتفاق ضمني بين الأطراف المتصارعة على تجنب الهجوم عليهم، أو قتلهم، إلا أن هذه الحماية والاتفاق قد بدآ في التآكل خلال العقدين الماضيين، وهو ما ترجم في النهاية إلى المزيد والمزيد من القتلى بين العاملين في تلك المنظمات. ويرجع البعض السبب في هذه الزيادة إلى عدة عوامل، مثل زيادة عدد هذه المنظمات، وزيادة عدد العاملين والمتطوعين فيها خلال الفترة نفسها، واستمرار العنف وعدم الاستقرار بشكل حاد في المناطق المختلفة التي تمارس فيها المنظمات الخيرية عملها حالياً. وإن كان الجميع يتفقون، على أن تآكل ثقة المجتمعات المحلية في حيادية واستقلالية هذه المنظمات، يعتبر الخطر الأكبر الذي يهدد قدرتها على تأدية وظائفها ومهامها في مناطق الصراع والكوارث، والخطر الأكبر أيضاً على حياة من يعملون أو يتطوعون للعمل بها. ولذا يجب على المنظمات الناشطة في مجال العمل الإنساني الدولي، ضرورة التقيد بإطار صارم من الحيادية والاستقلالية، إذا ما كان لها أن تستمر في أداء مهامها بشكل آمن.