يقوم جدل في الأمم المتحدة حالياً حول سياسة قد لا تبدو مثيرةً للجدل. هذه السياسة هي عبارة عن إطار عمل دولي للحدّ من الجرائم الخطيرة ضد الإنسانية. ويحمل إطار العمل هذا تسمية "مسؤولية الحماية" أو R2P، وفقاً للغة الأمم المتحدة. وكانت نسخة محدودة من مسؤولية الحماية اعتمدت في مؤتمر الأمم المتحدة العالمي في عام 2005 قد أعادت تأكيد الحقوق والمسؤوليات التي صدّقت عليها الدول الأعضاء في ما مضى، وطبّقتها في بعض الأحيان. إلا أنّ النقاشات المتعلّقة بمسؤولية الحماية أو برديفها "التدخّل الإنساني"، غالباً ما تتخلّلها قرقعة مستورٍ على مر التاريخ إلى اليوم. فتاريخياً، قليلة هي مبادئ الشؤون الدولية التي طبقت، ومنها مبدأ ثيوسيديديس القائل إنّ القويّ يفعل ما يشاء بينما الضعيف يعاني كما يفترض به. وثمة مبدأ آخر يقول إنّ كلّ استعمال للقوة في الشؤون الدولية رافقه خطاب منمّق عن المسؤولية الجماعية لحماية الشعوب، وتبريرات مدعومة بوقائع. طبعاً يفضّل القوي نسيان التاريخ والتطلّع إلى الأمام، وهو خيار غير حكيم بالنسبة للضعيف. لقد بان هذا المستور في النقاش الأول الذي قام في محكمة العدل الدولية منذ 60 عاماً، وتناول حادثة كورفو بين بريطانيا وألبانيا. آنذاك، انتهت المحكمة إلى أنّ "حق التدخل المزعوم تجسيد لسياسة القوة، كتلك السياسة التي أدّت في الماضي إلى إساءات خطيرة، والتي لا مكان لها في القانون الدولي أياً تكن العيوب في المنظمة الدولية... واستناداً إلى طبيعة الأمور، ينحصر (التدخل) بالدول الأقوى، ويمكن أن يؤدي بسهولة إلى إفساد إدارة العدالة بحدّ ذاتها". والمنظور نفسه، طبع الاجتماع الأول لمؤتمر قمة الجنوب الذي جمع 133 دولةً في عام 2000. فإعلان المؤتمر رفض، مع الأخذ بعين الاعتبار طبعاً قصف صربيا، "ما يسمّى "حق" التدخل الإنساني الذي لا أساس قانونياً له في ميثاق الأمم المتحدة أو في المبادئ العامة للقانون الدولي". وتعيد الصياغة هذه التشديد على إعلان الأمم المتحدة المتعلّق بالعلاقات الودية (1970). وأُعيد تكرار الصياغة مذاك في الاجتماع الوزاري لحركة بلدان عدم الانحياز في ماليزيا عام 2006، هذه الصياغة التي مثّلت مجدداً الضحايا التقليديين في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية، والعالم العربي. كما توصّل فريق الأمم المتحدة المعني بالتهديدات والتحديات والتغيير إلى الاستنتاج عينه في عام 2004، فانتهى إلى أنّ المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة "لا تحتاج إلى توسيع أو تقييد لنطاقها الذي فُهِم منذ أمد طويل". وأضاف الفريق أنّه "بالنسبة للذين لا يطيقون صبراً على هذه الاستجابة، فالجواب الذي لا بد منه هو أنه في عالم اليوم الذي يعجّ بالتهديدات المحتملة المتصورة، فالخطر الذي يهدّد النظام العالمي ومبدأ عدم التدخل الذي لا يزال يقوم عليه، هو من الضخامة، بحيث لا يمكن قبول قانونية العمل الوقائي الانفرادي الذي يغاير العمل الذي يحظى بتأييد جماعي. فالسماح لفرد بالقيام بذلك معناه السماح للجميع"، وهو أمر غير معقول طبعاً. وقد اعتمد هذا الموقف الأساسي نفسه مؤتمرُ القمة العالمي في عام 2005، إذ أعرب عن الاستعداد "للقيام بعمل جماعي... من خلال مجلس الأمن، بموجب الميثاق... إذا ما تبيّن أنّ الوسائل السلمية غير نافعة، والسلطات الوطنية تفشل بشكل واضح في حماية شعوبها" من الجرائم الخطيرة. هذا القول يسلّط الضوء على نصّ المادة 42 المتعلّقة بتخويل مجلس الأمن اللجوء إلى القوة. والقول يبقي المستور مستوراً، إذا ما اعتبرنا مجلس الأمم حكماً حيادياً غير خاضع لمبدأ ثيوسيديديس. غير أنّ هذا الافتراض ضعيف للغاية. فالدول الخمس الأعضاء دائمة تتحكّم بمجلس الأمن، وهي ليست متساويةً في السلطة النافذة المفعول. ودليل ذلك هو سجّل استعمال حق النقض (الفيتو)، أكثر أشكال انتهاك قرارات مجلس الأمن تطرّفاً. فخلال ربع القرن الماضي، استعملت الصين وفرنسا حقّ النقض لرفض 7 قرارات، فيما نقضت روسيا 6 قرارات، ونقضت المملكة المتحدة 10 قرارات، والولايات المتحدة 45 قراراً، بما في ذلك حتى قرارات تدعو الدول إلى احترام القانون الدولي. أما إحدى وسائل الحد من هذا العيب في إجماع مؤتمر القمة العالمي فيكون بإبطال حقّ النقض، وفقاً لرغبة أكثرية الشعب الأميركي. غير أنّ هرطقات مماثلة لا يقبلها منطق؛ كأن تطبَّق مسؤولية الحماية الآن على الذين يحتاجون أشدّ الحاجة إلى الحماية، لكن لا حظوة لهم لدى الأقوياء. فضلاً عن ذلك، تمّ الانحراف عن التقييد الخاص بقضية كورفو وتوابعه. فالقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي يشدّد على "حقّ الاتحاد في التدخل في دولة عضو... في ظلّ ظروف خطيرة". وهذا يختلف عما ينصّ عليه ميثاق منظمة الدول الأميركية الذي يحظر التدخل "لأيّ سبب من الأسباب في الشؤون الداخلية أو الخارجية لأيّ دولة أخرى". أما سبب هذا الاختلاف فواضح، إذ تسعى منظمة الدول الأميركية إلى الحؤول دون تدخّل الولايات المتحدة. لكن بعد زوال نظام الفصل العنصري، لم يعد المنتظم الأفريقي يواجه مثل هذه المشكلة. لم أسمع إلا باقتراح واحد رفيع المستوى لتوسيع مسؤولية الحماية إلى خارج نطاق إجماع القمة وتوسيع الاتحاد الأفريقي، وهو تقرير اللجنة الدولية المعنية بالتدخل وسيادة الدول الخاص بمسؤولية الحماية (2001). فاللجنة تطرّقت إلى الحالة التي "يرفض فيها مجلس الأمن اقتراحاً أو يفشل في التعامل معه في فترة زمنية معقولة". في مثل هذه الحالة، يتيح التقرير "تصرّف المنظمات الإقليمية أو دون الإقليمية ضمن نطاق الاختصاص... بعد طلبها الإذن اللازم من مجلس الأمن". عندئذ يقرقع المستور قرقعةً قويةً، فالأقوياء يحدّدون وحدهم "نطاق الاختصاص" الخاص بهم. ففي حين لا يمكن لمنظمة الدول الأميركية والاتحاد الأفريقي ذلك، يستطيع حلف شمال الأطلسي، وهذا ما يفعله. مثلاً اعتبر الحلف أنّ "نطاق اختصاصه" يشمل البلقان، وأفغانستان، وما بعدهما. بالتالي، تبقى الحقوق الشاملة الممنوحة من اللجنة الدولية محصورةً عملياً بحلف شمال الأطلسي، مما يشكّل انتهاكاً لمبادئ كورفو، ويجعل من مسؤولية الحماية سلاحاً للتدخل الإمبريالي حيثما اتفق. لطالما كانت "مسؤولية الحماية" انتقائيةً، ولذلك لم تنطبق على العقوبات المفروضة من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على العراق، والصادرة عن مجلس الأمن، والتي اعتبرها "من أعمال الإبادة الجماعية" الدبلوماسيان البارزان اللذان استقالا من منصبيهما احتجاجاً. وما من احتمال اليوم لتطبيق مسؤولية الحماية على سكان غزة الذين يعتبرون "شعباً محمياً" في عهدة الأمم المتحدة. وما من مبادرة جادة تلوح في الأفق لمعالجة أسوء كارثة تشهدها أفريقيا، وهي النزاع الوحشي في الكونجو الديمقراطي. وما من سعي للجوء إلى مسؤولية الحماية لمعالجة المجاعة الفادحة المستشرية في البلدان الفقيرة. وهكذا تتماشى الانتقائية، في هذه الحالات وغيرها الكثير، مع مبدأ ثيوسيديديس وتوقّعات محكمة العدل الدولية منذ 60 عاماً. غير أنّ مبادئ الشؤون الدولية ليست نهائية، وفي الواقع أصبحت أقلّ صرامةً على مرّ السنين بفعل التأثير الممدِّن للحركات الشعبية. وتماماً كما كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يمكن لمسؤولية الحماية أن تكون أداة قيّمةً في سبيل الإصلاح. لكن رغم أنّ الدول لا تحترم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبعضها يرفض رسمياً قسماً كبيراً منه (وضمنها الدولة الأقوى في العالم)، يمثّل الإعلان قدوةً يتمثّل بها الناشطون في جهودهم التربوية والتنظيمية، وذلك بشكل فعال غالباً. هكذا يمكن لمناقشة مسؤولية الحماية أن تتبع النهج نفسه. فإذا ما ترافقت المسؤولية بالالتزام الكافي، الذي لا يبديه الأقوياء لسوء الحظ، لثبتت فعاليتها بحقّ.