مرت وزيرة الخارجية الأميركية "هيلاري كلينتون" بعدة أسابيع سيئة في الآونة الأخيرة. ففي السابع عشر من يونيو الماضي، وعلى سبيل المثال، زلت قدمها في المرآب التابع لوزارة الخارجية، مما أدى إلى سقوطها، حيث كسر مرفقها. وكان هذا الكسر خطيراً إلى درجة استدعت إدخالها المستشفى لإجراء عملية جراحية عاجلة. ولهذا السبب، لم تتمكن"كلينتون" من مرافقة رئيسها أوباما في رحلته المهمة التي قام بها إلى أوروبا لحضور قمة الدول الثماني الكبرى في إيطاليا، وتلك التي قام بها إلى جمهورية روسيا للالتقاء مع الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف ورئيس وزرائه فلاديمير بوتين. وفي الرابع من أغسطس الجاري، وعندما شفيت هيلاري من إصابتها، وعادت مجدداً إلى المعترك الدبلوماسي وبدأت رحلتها للقارة الأفريقية، تزامن ذلك مع ظهور زوجها "بيل كلينتون" في العاصمة الكورية الشمالية "بيونج يانج" مصحوباً بفريق من المستشارين في مهمة كلفه بها الرئيس أوباما من أجل تأمين الإفراج عن صحفيتين أميركيتين من أصول آسيوية هما "لورا لنج" و"إيونالي" اللتين كانتا قد ألقي القبض عليهما من قبل رجال الحدود الكوريين الشماليين، لإقدامهما على عبور الحدود الصينية الكورية المشتركة، في شهر مارس الفائت، وذلك دون إذن من السلطات الكورية الشمالية. وقد حكم على الصحفيتين من قبل إحدى المحاكم الكورية الشمالية بالسجن لمدة 12 عاماً لدخولهما البلاد بطريقة غير قانونية. وفي إطار هذه الزيارة أجرى كلينتون مباحثات مع الرئيس الكوري الشمالي "كيم يونج إيل"، كما التقطت له مجموعة من الصور التي يظهر فيها جالساً مع "إيل"، وقد تم نشرها لاحقاً في الصفحات الأولى لكبريات الصحف العالمية. وفيما يتعلق بالنقاط الساخنة في العالم، فقد احتلت أخبار "جورج ميتشيل" المبعوث الخاص للرئيس الأميركي للشرق الأوسط، صدارة الصفحات الأولى أيضاً أثناء الجهود الحثيثة التي يقوم بها لحلحلة ملف التسوية في هذه المنطقة التي يسودها الاضطراب وعدم الاستقرار منذ فترة طويلة من الزمن. وهو ما ينطبق أيضاً على نظيره "ريتشارد هولبروك"، مبعوث الرئيس الأميركي لأفغانستان وباكستان، والذي يقوم بجولات مستمرة لذينك البلدين، في محاولة لتحقيق اختراق دبلوماسي في الحرب التي تخوضها بلاده ضد الراديكالية الإسلامية والتي لا تلوح لها نهاية قريبة في الأفق. بيد أنه سيكون من الخطأ البين التقليل من شأن "هيلاري كلينتون"، أومن قدرتها على لعب دور مهم في الساحة العالمية من خلال منصبها. فمن بين الموضوعات التي اختارت وزيرة الخارجية الأميركية أن تجعلها على قمة أجندة أولوياتها، ذلك المتعلق بحقوق المرأة. والحقيقة أن اختيارها لهذا الموضوع على وجه التحديد يعتبر اختياراً بالغ الذكاء من جانبها؛ لأن كل شخص في هذا العالم يجب أن يقف في صف حقوق المرأة. وهناك نقطة أخرى مهمة وهي أن هذا الموضوع، وعلى العكس من موضوع تعزيز الديمقراطية في دول العالم الثالث، والذي كان من العلامات المميزة لعهد الرئيس السابق جورج بوش، يبدو أقل حساسية بالنسبة لتلك الدول وأقل إثارة للجدل بالتالي. ثم إن هناك أيضاً حقيقة أن نصف سكان العالم على وجه التقريب هم من النساء اللائي يعانين، في الكثير من الحالات، من درجة مؤسفة من القهر والجهل، الأمر الذي يجعل من الجهود الرامية إلى تعليمهن وتحريرهن من ربقة القهر، جهوداً ذات أصداء اقتصادية واجتماعية وسياسية بعيدة المدى. ومن الحقائق التي حُظيت بقدر جيد من التوثيق تلك التي تثبت أن تقديم قروض صغيرة لرائدات الأعمال في القرى الواقعة في قارتي آسيا وأفريقيا على وجه التحديد، كان من الإجراءات التي ترتبت عليها تأثيرات عميقة على مبادرات العمل في البيئات المحلية. فالأمر المرجح هو أن النساء المتعلمات عادة ما يكنّ أكثر وعياً بمسائل التخطيط الأسرى، وأكثر حرصاً بالتالي على تعليم أبنائهن مقارنة بالأميات أو ممن لم يحصلن سوى على قدر محدود من التعليم. وكما رأينا في إيران التي توجد بها نسبة كبيرة من النساء المتعلمات، فإن المرأة هناك غدت تمثل قوة سياسية ذات شأن في مجال الدعوة إلى الإصلاح، وهو ما ينطبق بدرجة أو أخرى على العديد من البلدان في الشرق الأوسط، وفي القارتين الآسيوية والأفريقية. وفي تقديري أن تحرير المرأة يمكن أن يلعب دوراً في تعزيز القيم العالمية لحقوق الإنسان، والتي شكلت على مدى سنوات طويلة ملمحاً مركزياً من ملامح السياسة الخارجية للولايات المتحدة يفوق من حيث الأهمية ذلك الدور الذي يمكن أن تلعبه المطالب ذات الطبيعة الأكثر تحديداً والمتعلقة بالإصلاح السياسي باسم ترقية الديمقراطية. وأثناء جولتها في القارة الأفريقية، ركزت"هيلاري" على ظاهرة تفشي استخدام العنف ضد المرأة، خصوصاً في المناطق والبلدان التي مزقتها الحروب مثل جمهورية الكونجو الديمقراطي، والأسباب التي تدعو إلى ضرورة وضع حد لهذا السلوك الشائن. ونظراً لأن هيلاري ذاتها تعد نموذجاً يحتذى بالنسبة لكثير من النساء في مختلف بقاع العالم، فإن تركيزها على حقوق المرأة لا بد أن تكون له تداعيات طويلة المدى على علاقة أميركا بالعديد من الدول في العالم، كما يمكن أن يجعل منها وزيرة خارجية ثورية أي وزيرة قادرة على إحداث ثورة في مجال حقوق المرأة. والنكسات التي تعرضت لها "هيلاري" خلال الأسابيع القليلة المنصرمة لا تقارن بالقلائد التي يمكن أن تطوق عنقها إذا ما تحولت إلى مدافعة صلبة وفعالة عن حقوق المرأة في مختلف أنحاء العالم، وتم النظر إليها كامرأة ذات تأثير فائق الأهمية بالنسبة لهن في نضالهن من أجل التحرر من القمع والطغيان.