عندما تنتهي فترة الركود الكبير، لا تحسبوا أن العاصفة قد رحلت تماماً؛ لأن ما قد يتلو ذلك يمكن أن تكون فترة نمو جد ضعيفة لدرجة أن مستوى معيشة المواطن الأميركي المتوسط قد لا تبلغ مستويات 2007 إلا بعد سنوات عديدة. في هذا الإطار يقول هارلد مالمجرن، المستشار الاقتصادي في واشنطن، إن الأميركيين سيجدون أنفسهم مضطرين لـ\"العيش على نحو مختلف بعض الشيء\"، حيث يتوقع مالمجرن ألا يعود اقتصاد الولايات المتحدة إلى متوسط معدل النمو السنوي للناتج الداخلي الخام (3 أو 4 في المئة) الذي كان سائداً على مدى عقود عدة، وبدلاً من ذلك يتنبأ بـ\"نمو بطيء\"، ليس لسنة أو سنتين، وإنما لعقود ربما، وهو ما يعني أن مشتريات المستهلكين ستكون \"محدودة جداً\"، كما يقول. رأي يتفق معه خبراء اقتصاديون آخرون، حيث يتوقع \"إيه. جاري شيلينج\"، المستشار الاقتصادي في \"سبرينجفيلد\" بولاية نيوجيرزي، أن الولايات المتحدة \"لن تعود إلى السنوات التي كان فيها اقتصادها في أوج ازدهاره إلا بعد عقد من الزمن أو ما شابه\". والواقع أنه لكل أزمة اقتصادية نصيبها من المتشائمين، غير أنه حتى أكثر الخبراء الاقتصاديين تفاؤلاً، مثل \"نريمان بهررافيش\"، من مؤسسة \"آي إتش إس جلوبل إينسايت\" في ليكسينجتون بولاية مساتشوسيتس، لا يفندون الفكرة القائلة بتدني مستوى معيشة الأميركيين، حيث يتوقع معدل نمو متواضع للناتج الداخلي الخام يتراوح بين 3 و2.5 في المئة سنوياً، وهو ما لا يكفي لخفض البطالة إلى معدل معقول في المدى القريب. ويتمثل القلق الذي يتقاسمه هؤلاء الخبراء الاقتصاديون في حقيقة أن الأميركيين الذين اهتزت ثقتهم في اقتصاد بلادهم، هم اليوم بصدد الانتقال من عادة الإنفاق الجنوني إلى الادخار الجنوني. ونتيجة لذلك، فإن الاستهلاك الداخلي لن يعطي الاقتصاد دفعة قوية للنمو في المستقبل القريب. وفي هذا السياق، يقول شيلينج إن \"موجة الادخار\" الحالية قد تؤدي إلى بلوغ معدل ادخار الأسر مستوى 10 في المئة خلال 10 سنوات قادمة، وذلك بشكل تدريجي، وبعد أن كان يتخذ منحى ثابتاً أو سلبياً خلال سنوات الطفرة الأخيرة. ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن المستهلكين ادخروا في شهري أبريل ومايو الماضيين جل الدولارات التي حصلوا عليها من حزمة تنشيط الاقتصاد التي تبنتها إدارة أوباما، حيث أحجم كثيرون منهم عن إنفاق علاوة \"الضمان الاجتماعي\" أو الخفض الضريبي، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدل الادخار الأميركي في شهر مايو إلى 6.9 في المئة. وبالمثل، فإنه من المستبعد أن يقوم القطاع المالي بمنح القروض وتمويل طفرة عقارية أخرى قريباً، كما يقول المحللون. وعلى المدى الطويل، يمكن القول إن الولايات المتحدة مستفيدة في حال قام الأميركيون بالتوفير والاستثمار أكثر، وذلك على اعتبار أن الأسر ستكون في وضع مالي أفضل، وأن البلاد أيضاً ستكون قادرة على تقليص اعتمادها على المقرضين الأجانب من أجل تمويل نموها، غير أنه على المدى القصير، قد يؤدي الانخفاض في الإنفاق الاستهلاكي إلى تباطؤ النمو. بيد أن بهرافيش يأمل أن يعوّض ارتفاع الصادرات هذا الضعف ويفضي إلى \"نمو لا بأس به\". والجدير ذكره في هذا السياق أن الصادرات سجلت ارتفاعاً في شهر مايو الماضي، مما قلص العجز التجاري بشكل ملحوظ. لكن بهرافيش يحذر بالمقابل من أن الحفاظ على مثل هذه الزيادة في الصادرات سيكون مشروطاً بتعاون الدول المستورِدة وبـ\"انتعاشٍ متواصل لمعدل النمو العالمي\". وعلاوة على ذلك، فإن الضغط على قيمة الدولار الأميركي -دون إحداث انخفاض قوي وإنما تراجع طفيف فقط- سيكون عاملاً مساعداً هو أيضاً؛ لأنه سيجعل الصادرات الأميركية أرخص، مما سيشجع على الإقبال على شرائها في الخارج، فيما الواردات أغلى في الداخل، مما سيجعل المستهلك الأميركي يفكر مرتين قبل أن يقبل على شراء السلع المستوردة. غير أن مالمجرن، الذي بدأ يحذر بشأن \"فترة الإفراط\" في عام 2005، يتوقع صورة أسوأ وأكثر قتامة، يسميها \"التبريد العالمي\". ذلك أن اقتصادات معظم البلدان الأوروبية هي اليوم أسوء حالاً من الاقتصاد الأميركي، وتعتمد أكثر بكثير على الصادرات من الولايات المتحدة، كما يقول، حيث تواجه ركوداً أعمق مما تعانيه الولايات المتحدة؛ وبالتالي فإنه من غير المرجح أن تستقبل مزيداً من الصادرات. وعلى مدى سنوات، كانت الولايات المتحدة تعيش فوق إمكاناتها الحقيقية بنسبة تتراوح ما بين 5 و6 في المئة، وعاشت بسبب ذلك عجزاً تجارياً كبيراً، أي أن الصادرات كانت تفوق الواردات. وإذا كان الأميركيون اليوم بصدد قلب المنحى، فإن التكيف مع الوضع الجديد قد يستغرق سنوات. وفي غضون ذلك، فإن مستوى المعيشة في الولايات المتحدة من المتوقع أن يتلقى ضربة قوية. ديفيد آر. فرانسيس كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية ينشر بترتيب خاص مع خدمة \"كريستيان ساينس مونيتور\"