مدّ ناظريك على امتداد الساحتين: العربية والإسلامية، وتأمل -ملياً- المشهد الإسلامي العام فماذا ترى؟ صراعات دموية مسلحة تقوم بها جماعات دينية مسيّسة ضد السلطات الشرعية في كافة بؤر النزاع والتوتر، ويسقط ضحايا كثيرون وتسيل دماء غزيرة وتذهب الطاقات والموارد هدراً. شهد اليمن مؤخراً أعنف المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين في محافظتي صعدة وعمران وسقط مئات القتلى والجرحى من الطرفين. و\"حماس\" تعلن القضاء على (إمارة) \"جند أنصار الله\" المتمردة عليها بعد مقتل أميرها و22 من أتباعه وجرح أكثر من 125 شخصاً، وهي التي تمردت من قبل على السلطة الشرعية الفلسطينية واخترقت الخط الأحمر الفلسطيني. وهكذا، فالتشدد لا ينتج إلا تشدداً أعظم. أما \"حزب الله\" في لبنان، فمعتصم بسلاحه ويريد أن تكون له \"الهيمنة\" و\"القرار الأعلى\"، وإلا فلا حكومة شرعية قائمة، وكلنا نتذكر كيف اقتحمت ميليشيات الحزب بيروت وعاثت فساداً فيها ووقفت قوات الدولة الشرعية عاجزة. وفي الصومال، تخوض ميليشيات أصولية متشددة معارك ضارية ضد السلطة الشرعية التي وصل الأمر بها إلى طلب النجدة الدولية حتى لا تسقط العاصمة \"مقديشو\" في قبضة الأصوليين المتشددين التابعين لـ\"القاعدة\". أما حركة \"طالبان\" في أفغانستان، فقد تصاعدت هجماتها الانتحارية وكثر ضحاياها من المدنيين، وزادت تهديداتها بمهاجمة المراكز الانتخابية كلما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية بهدف بث الفوضى ومنع الانتخابات. أما \"طالبان- نيجيريا\"، فقد قامت بحركة تمرد انتهت بمقتل قائدها الملا محمد يوسف و666 من أتباعه. هذا عن المواجهات الدامية بين القوات الرسمية والميليشيات الدينية، أما عن التفجيرات الانتحارية فحدث ولا حرج، إذ لا يمر يوم إلا وتنقل الفضائيات والصحف، مآسي القتلى والجرحى الذين يسقطون ضحايا للتفجيرات التي يقوم بها شباب مسلم في مقتبل العمر، لكنهم مضللون، يلبس أحدهم حزاماً ناسفاً ويندس في مطعم مزدحم بعمال كادحين أو مسجد يغص بالمصلين أو فندق يقيم فيه سياح أجانب، فيفجر نفسه معتقداً أنه يجاهد في سبيل الله. وفي موريتانيا، فجر شاب نفسه قرب السفارة الفرنسية وأوقع جرحى، وفي جاكرتا فجر انتحاريان نفسيهما في فندق فاخر، أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة أكثر من 50 آخرين، ومعروف أنهما ينتميان إلى جماعة إرهابية بقيادة \"نور الدين توب\"، الذي يعد أهم مطلوب في جنوب شرقي آسيا والذي تعد جماعته وراء سلسلة العمليات الانتحارية التي أدت إلى مقتل 250 شخصاً بين عامي 2002 و2005 في إندونيسيا. وإذا التفت إلى العراق راعك ما يجري هناك: موجة من التفجيرات تحصد مئات القتلى والجرحى. وفي باكستان، قامت حركة \"طالبان\" بمئات العمليات الانتحارية التي أودت بأرواح مئات الآمنين، حتى قام الجيش الباكستاني بدك أوكارها وتمكن من تشريدهم ونجح في قتل قائدهم \"بيت الله محسود\" واستطاع أن يكف شرهم وأذاهم. وفي الكويت، تمكن الأمن من القبض على خلية تضم 6 كويتيين، تابعة لـ\"القاعدة\" خططت لتفجير قاعدة أميركية. وفي الصومال، قتل مسلحون 7 دعاة من جماعة التبليغ والدعوة. والمتهم الباكستاني \"كساب\"، المتبقي الوحيد من منفذي هجمات \"مومباي\" التي أدت إلى مقتل 170 شخصاً في نوفمبر من العام الماضي، اعترف أخيراً، وقال: \"أرجوكم اشنقوني على الجرائم التي ارتكبتها، أُريد أن أعاقب في هذه الدنيا ولا أريد عقاباً من الله\". هلا تساءلنا: ما القاسم المشترك بين هذه الصراعات الدموية الممتدة عبر الساحة الإسلامية؟ وما الذي يدفع شاباً مسلماً إلى ترك أهله ومدرسته وعمله ليلبس حزاماً ناسفاً ويفجر نفسه في أناس أبرياء؟ الحياة عزيزة، وكلنا نحب الحياة، فما بال هؤلاء الذين استرخصوا الحياة سعياً وراء الهلاك؟ ديننا جعل قتل نفس إنسانية واحدة كقتل الناس جميعاً، فلماذا لا يبالي هؤلاء بحياة الناس؟ وحدها الأمة الإسلامية التي تعيش هذه المأساة؛ مأساة أنه لا قيمة للحياة ولا قيمة لأرواح البشر. \"طالبان نيجيريا\" المعروفة بـ\"يوكوحرام\"؛ لأنها تحرم التعليم الحكومي بزعم أنه تعليم غربي مستورد، تقوم بجرائمها تحت وطأة عقيدة غلابة صورت لهم أن ما يقومون به من هجمات ضد مراكز الشرطة والكنائس هو \"جهاد\"، وهكذا تتصور بقية الجماعات الدينية المسلحة والتي تخوض معارك ضد قوات تفوقها تسلحاً وعدداً، لينتهي المطاف بتصفيتها وقتل قادتها وأتباعها. من كان يتصور أن يعمد الدكتور عمر عبداللطيف موسى \"أبو النور المقدسي\" أمير جماعة \"جند أنصار الله\" في غزة، إلى ترك تخصصه (الطب) ليتزعم جماعة سلفية جهادية تكفيرية ثم يعلن في خطبة الجمعة من \"مسجد الشيخ ابن تيمية\" بمدينة رفح قيام \"إمارة فلسطين الإسلامية\"، ويهاجم حكومة \"حماس\" ويقول إنها \"حزب علماني\" ينتسب إلى الإسلام زوراً؟! لقد تأملت حياة أمراء الجماعات الإسلامية وأنصارها وتتبعت تنشئتهم الأولى في محيط الأسرة والمدرسة والجامع، فوجدت أن معظمهم عانى من تنشئة بائسة وخبرات طفولية قاسية، هناك من نشأ في بيت الأب فيه أهمل دوره، وهناك الأب الذي قسا واستخدم العنف في التأديب وسيلة للتربية. وفي نطاق المدرسة والجامع، هناك المدرس والشيخ اللذان خطفا المنبرين: التعليمي والديني، فبثا أفكارهما المتشددة في النفوس الغضة، فصورا الحياة \"سجناً بائساً\" للمسلم، وصورا المجتمع \"جاهلياً عاصياً\"، والنظام السياسي \"علمانياً تابعاً للغرب\"، والإعلام \"فجوراً\"، والحضارة الغربية \"انحلالاً وفسوقاً\" والعالم \"مؤامرة ضد الإسلام والمسلمين\". لذلك من الطبيعي أن تكون ثمار هذا الشحن الطويل \"قنابل\" بشرية مدمرة. لا تفسير آخر وراء ظاهرة \"القنابل البشرية\" التي اختص بها العالم الإسلامي، بل طائفة معينة من المسلمين. السلفيون التكفيريون وحدهم الذين امتازوا باسترخاص حياة البشر واستباحوا دماءهم، تجدهم في كل البؤر الساخنة: في أفغانستان، والشيشان، والصومال، وموريتانيا والجزائر، ونيجيريا، وغزة، واليمن، والسعودية، والكويت، وفي أوروبا والفلبين وإندونيسيا... يظنون أنهم مسافرون إلى الجنة ونعيمها سراعاً بعدوانهم وقتلهم الأبرياء. هؤلاء الذين ضل عملهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، إنه \"الجهل المركب\" و\"الضلالة المركبة\"، إنهم ضحايا المفاهيم المشوهة للجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق الشريعة، ضحايا أسر مفككة لم تمنحهم الحنان الكافي، ضحايا تعليم فشل في تحصينهم ضد أمراض التطرف، ضحايا خطاب ديني لم يحببهم في الحياة والعمل والإنتاج والتنمية، ضحايا فتاوى حرضتهم على التضحية بأنفسهم في سبيل أهداف عدوانية مدمرة، هذه هي تجليات المشهد السياسي الإسلامي العام.