من المتعارف عليه في الإعلام أن البحث عن الموضوعية الكاملة أو الحرية من دون حدود، ضرب من الخيال أو المستحيلات، حيث يبدو أن الحديث عن موضوعية مطلقة مسألة عبثية طالما وجد التمويل والملكية، سواء أكانت للحكومات أو لرجال أعمال. لا نختلف في أن هناك وسائل إعلامية تمارس الإعلام بنسبة كبيرة من الموضوعية والمهنية، وتحاول أن تصل إلى سقف الحرية المتاح لها بحثاً عن إعلام يخدم قراءه أو مستمعيه أو مشاهديه، أو على الأقل يحافظ على القدر الأكبر من الانتشار والصدقية والقدرة على المنافسة، ولا سيما في المجتمعات الغربية التي تتسم بقدر هائل من المنافسة، سواء أكانت هذه المنافسة على ثقة الجمهور أو على النصيب الأكبر من الإعلانات، علماً بأن الاثنين مترابطان. في مقابل ذلك، اعتدنا في إعلامنا العربي على التحيز بأشكاله الفجة، في منطقة يغلب الإعلام الموجه على فضائها، وبالتالي كان ظهور بعض الفضائيات التي تمارس نوعاً من \\\"الحرية الانتقائية\\\" أو المختارة بدقة سبيلاً لشعبيتها وانتشارها، مع أن قواعدها المهنية قد لا تضعها في خانة الأفضل أو الأكثر موضوعية مقارنة بالقواعد المهنية المتبعة في المجتمعات الغربية. تنتشر لدينا في العالم العربي مسألة التلاعب في صياغة الأخبار، ويكثر عندنا أيضاً خداع الجمهور بطرق مختلفة في فنون الصياغة التحريرية والإخراجية، وهذه مسألة معروفة باعتبار أن الإعلام في منطقتنا يغلب عليه الطابعان الأيديولوجي والعقدي. وبالتالي، تنحصر المنافسة الإعلامية عندنا بين إعلام موجه، سواء من الحكومات أو القطاع الخاص، أو إعلام مؤدلج، وهو الآخر نوع من الإعلام المتمركز حول فكرة أو أيديولوجية سياسية أو دينية معينة يحاول أصحابها إثارة التعاطف معها وجذب مناصرين جدد إليها في منطقة نادراً ما خلت من الصراخ السياسي القومي أو العقدي. الأسبوع الماضي، مررت بتجربة شخصية أكدت لي ما قلته قبل قليل، حيث شهدت بعيني، ومن خلال عملي، كيف يمارَس التحيز الإعلامي في صياغة الأخبار من جانب بعض المواقع الإعلامية التي تصف نفسها بالكبرى أو الأكثر مهنية وترفع شعارات حرية التعبير. وذلك عندما صاغ محررها خبراً وحمَّله \\\"رأيه\\\"، وبالتالي أوحت تلك الصياغة بأن المحرر أراد تحريض أكبر قدر من قرائه على الجهة الصادر منها الخبر. إن تجنيب الشفافية والربط بين ما لا يربط ولي الحقائق والتلاعب بالأخبار أسلوب لا يليق سوى بالمواقع الباحثة عن الإثارة والفتن، ولا نستغرب في مواقع كهذه أن يتحدث عنوان عن موضوع ثم لا نجد أثراً لذلك في متن الخبر أو محتوى التقرير، والسبب في ذلك هو مجرد جذب الانتباه والإثارة بشتى الطرق. أن ينزلق موقع إعلامي معروف إلى هذا الدرك فهذه خطيئة مهنية، ليس لأنها أساءت إلينا ولكنها بالأساس إساءة إلى مهنية فريق العمل بهذا الموقع نفسه. لم أكن لأتناول هذه المسألة بالتعليق لولا أني وجدت، عندما اتصلت بمشرفي الموقع رداً أكثر غرابة، وهو أن حق الرد مكفول، ولكني كنت قد اتصلت من أجل تصحيح خطأ مهني في الصياغة، ولا أبحث عن الرد باعتباري لست في موضع اتهام من الأساس. أعتقد أن مثل هذا الفكر التحريري يدرك مسبقاً هوية الجمهور ويعرف ما يثيره وما يجذب انتباهه، ولذا فقد اختار الصياغة بهذه الطريقة؛ لأنه لو صاغ الخبر على الطريقة المهنية الموضوعية والتزم بالقواعد الدقيقة في الصياغة لكنا أمام خبر عادي خالٍ من أي إثارة؛ لكونه يتماشى مع ما هو متعارف عليه من مواقف سياسية للدول تجاه مختلف القضايا المثارة، سواء في منطقتنا أو بقية مناطق العالم.