أشارت التقارير الإعلامية والاجتماعات العامة التي عقدتها "لجنة تخطيط الرحلات الفضائية البشرية" -وهي لجنة تتألف من 10 من المستشارين تم تشكيلها بناءً على طلب من الرئيس أوباما- إلى احتمال حدوث تغيرات في مهام وكالة "ناسا"، نحسب أنها ضرورية وواجبة. فخلال العقود الخمسة الماضية، تمحورت جهود وكالة "ناسا" على اكتشاف المنظومة الشمسية. ويجب القول إنها بذلت وحققت جهوداً جبارة في هذه الاكتشافات. فبفضلها تحققت لنا معارف هائلة عن أي كوكب وقمر صناعي يدور قرب الأرض، فضلاً عن وفرة التفاصيل عن كوكبي القمر والمريخ. صحيح أن الكثير من المعلومات قد توافرت من خلال برنامج الارتياد البشري للفضاء، غير أن رحلات الروبوت التي أُطلقت خلال العقود الماضية إلى الفضاء ساعدت على توفير معلومات أكثر غنى وتفصيلاً عن منظومتنا الشمسية. ويعتقد مسؤولو وكالة "ناسا" أن البرامج القائمة على ارتياد البشر للفضاء -وهي البرامج التي يخصص لها الجزء الأكبر من ميزانية الوكالة- هي التي تثير اهتمام الجمهور، وتساهم في دعم وتحسين صورة الوكالة عموماً. لكن من المرجح أن تعلن لجنة مراجعة مهام الوكالة، التي تشكلت برئاسة المدير التنفيذي الفضائي المتقاعد "نورمان أوجستين" إلغاء الأهداف السابقة المعلنة من قبل الرئيس جورج بوش بقرب عودة الرواد الفضائيين إلى الفضاء مجدداً في عام 2004. يذكر أن الأهداف المحددة التي أعلنها بوش حينئذ، كانت تتحدث عن العودة إلى القمر وإرسال مهمة فضائية بشرية إلى المريخ. وأشارت لجنة المراجعة إلى صعوبة تبرير الحاجة إلى إرسال مهمة بشرية إلى المريخ علمياً، إضافة إلى كونها مهمة باهظة التكلفة. أما بالنسبة للقمر... فما الذي يمكن لبعثة بشرية جديدة إليه، مما لم يتم إنجازه من مهام استكشافية فيه عبر مهمتي "أبولو" و"لونار"؟ وبما أن الولايات المتحدة قد وصلت مرحلة صرف النظر عن عودة البشر إلى الفضاء ضمن مساعي اكتشاف المنظومة الشمسية، فإن علينا التفكير في مهام ذات أولوية أكبر لوكالة "ناسا". وفي الإمكان -بل من الضروري- مواصلة اكتشاف المنظومة الشمسية بواسطة الروبوت، مع العلم أنه يمكن تنفيذ هذه المهام الحيوية بجزء يسير للغاية من ميزانية الوكالة الضخمة. وفي المقابل، فإن على "ناسا" توجيه جهود الكشف البشري للفضاء الخارجي، لتلبية الحاجات العلمية الأشد إلحاحاً مثل انحراف النجيمات عن مسارها، علاوة على أهمية أن تعطي "ناسا" أولوية أكبر لمهام البحث عن احتمالات حياة بديلة في الكواكب الأخرى. وفي حال وجود حياة أخرى في أحد كواكب الكون، فإن المرجح أن يتم اكتشافها من خلال البحث في بقية أعضاء المنظومة الشمسية بواسطة الإشارات اللاسلكية. لكن ضغوط الكونجرس أرغمت الوكالة على تغيير أهدافها وأولوياتها. وحينها كان التمويل الخاص قد توافر لدعم البرامج المحدودة النشطة، وبفضل ذلك التمويل تحقق تقدم كبير في فهم أفضل تقنيات البحث وتعقب المؤشرات على الحياة المفترضة في أحد كواكب المنظومة الشمسية الأخرى. ووفقاً للعمل التأسيسي الذي بذل في هذا المجال، إضافة إلى الموارد والتكنولوجيا الضخمة التي تستطيع وكالة "ناسا" توفيرها، فإن في الإمكان زيادة تعقب تلك الإشارات إلى حدٍ كبيرٍ. كما يمكن إقناع أعضاء الكونجرس بدعم هذا الاتجاه إثر توعيتهم بالنجاح الذي يمكن تحقيقه باستخدام التكنولوجيا المشار إليها. وفيما لو كانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي نستطيع بها الكشف عن وجود حياة ذكية في كوكب ما -وهذا ما اعتقده- فهل يصح لـ"ناسا" أن تتخلف عن ركب قيادة هذه الجهود وتمويلها؟ ذلك هو الأمر الأول. ثانياً: ينبغي أن تتضمن أولويات "ناسا"ومهامها الجديدة، تطوير الوسائل اللازمة لتعقب النجيمات الشاردة، التي يمكن لها أن تؤثر على كوكب الأرض. وكما نعلم فإن لهذه النجيمات تأثيرات كارثية على الحياة في الأرض، بما فيها احتمال إبادة الكثير من الكائنات الحية. وتشير التأثيرات الأخيرة على المشترى، إلى مدى خطورة اصطدام هذه النجيمات بالكواكب الأخرى. وليس هناك ما يبرر الانتظار إلى أن يصبح الخطر على حياتنا وشيكاً من هذه النجيمات. فمنذ عام 1994، بدأت "ناسا" تمويل برامج مهمتها البحث عن النجيمات التي ربما تصطدم بكوكب الأرض. بيد أن تلك الجهود ظلت دائماً في ذيل الاهتمامات. وبالمقارنة، يجب القول إننا نجحنا سلفاً في تطوير تكنولوجيا تعقب هذه النجميات واعتراضها قبل أن تصيب كوكبنا وتهدد بإفناء أجزاء منه. غير أننا لا نزال على بعد عدة سنوات من الآن عن تطوير السفن الفضائية القادرة على أداء مهام التعقب والاعتراض نفسها. وبدلاً من إهدار الجهد والمال في صنع سفينة فضائية جديدة لإطلاقها إلى القمر أو المريخ، فإن من الأفيد صنع سفينة نطلقها على النجيمات أو الأجرام السماوية التي تهدد الحياة في كوكبنا. ألا تستحق حماية البشرية إعطاءها الأولوية القصوى من الاهتمام والتمويل؟ ولماذا كل هذا التنظير والجدل عن إنشاء مستعمرات في المريخ بهدف حماية الجنس البشري في حال حدوث اصطدام كارثي لأحد النجيمات بالأرض، بدلاً من الحماية المسبقة لكوكبنا وتجنيبه وقوع ذلك الاصطدام الكارثي؟ إن أي وضع ترتيبيات جديدة لأولويات "ناسا"، يجب أن يتركز على حماية كوكبنا من تأثيرات خطر الأجرام السماوية، إضافة إلى استمرار البحث عن مظاهر حياة ذكية أخرى في الفضاء الخارجي. جيرالد إم. سميث حاز جائزة الخدمة الممتازة من وكالة "ناسا" عام 1996، عمل بمختبر إطلاق الطائرات النفاثة ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا خلال الفترة 1962-1997. ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"