في الدراسات الحديثة حول الدين والانتشار المعوْلم للدعوات الدينية، برز مصطلح "سوق الدين" أو (faith market)، مترافقاً مع الاندفاعة العالمية لنظرية تحرير السوق التي شهدها العالم بعد نهاية الحرب الباردة وأفول النظرية الاشتراكية في الاقتصاد. وما حدث في عالم ما بعد الاتحاد السوفييتي هو التحرير المتواصل لرأس المال والتوسع المتزايد للسوق، متجاوزاً الحدود الجغرافية التقليدية، ومتصفاً بالتعولم المتصاعد. وفي قلب ذلك التعولم، كُسر احتكار الدولة كفاعل وحيد وشبه حصري في الفضاء السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإعلامي سواء على الصعيد الوطني أو العالمي. فإلى جانب الدولة، برز فاعلون ولاعبون آخرون سواء الشركات الكبرى العابرة للحدود اقتصادياً، أو منظمات المجتمع المدني سياسياً، أو المؤسسات والحركات الدينية اجتماعياً، أو وسائل الاتصال الفضائي والإنترنتي إعلامياً. والأهم من ذلك كله، أن بيئة السوق المتحرر والمنفلت من السيطرة الحكومية بهذه الدرجة أو تلك وفرت ديناميات تواصلية تتبادل الدعم بين ما هو متحرر اقتصادياً، وسياسياً، واجتماعيا وإعلامياً، مما أضاف مصادر قوة إضافية للاعبين الجدد الذين زاحموا حصرية الدول في سيطرتها على الفضاءات التي كانت تتحكم فيها تقليدياً، خاصة في دول العالم الثالث. وبمعنى آخر، صار بمقدور رأس المال الخاص أن يتسلل للعب دور اجتماعي أو ديني أو إعلامي بالغ التأثير، عن طريق امتلاك مؤسسات اجتماعية مستقلة عن الدولة، أو دعم هيئات أو حركات دينية، أو تملك وسائل إعلام تتجاوز أهدافها الربح، وتصل إلى ترويج أيديولوجيات أو برامج اجتماعية محددة. ويمكن القول إن الدين برز كأحد أهم الفاعلين الذين عظموا الاستفادة من حقبة العولمة الراهنة من خلال توظيف المال والاقتصاد مع الحركية والفاعلية الدعوية وامتلاك الوسائل الإعلامية لترويج الرؤى الدينية. ويصعب التفكير بفاعل آخر تمكن من توظيف وسائل العولمة المختلفة ودمج أدواتها التقنية والتجارية والإعلامية للخلوص إلى تأثيرات اجتماعية وثقافية عميقة كما فعل "الدين المعولم". ويمتد طيف "الدين المعولم" واسعاً مبتدئاً بالهيئات والجمعيات الروحية والخيرية غير المسيسة، ماراً بالمنظمات والأحزاب السياسية، ومنتهياً بالجماعات المسلحة والعنفية. وتتصف هذه الصيرورة العولمية للدين بتجاوزها للجغرافيا المحلية من جهة، وانفلاتها من التحكم المركزي من جهة أخرى -أي أنه لم تعد هناك سلطة مركزية دينية تستطيع أن تتحكم بفيضان الحركات والتمظهرات العابرة للحدود لأي دين من الأديان. وبمعنى آخر، صارت الحركة الدينية شبيهة وموازية لحركة رأس المال المتحرر الذي ينتقل من مكان إلى آخر، بحسب تقلبات عملية العرض والطلب في السوق. وخلال العقود القليلة الماضية، لم يتوقف "سوق الدين" عن التوسع بما رافقه من ازدياد طلب على كل "السلع المعروضة": اقتصاد ديني، فن ديني، إعلام ديني، سياسة دينية، عنف ديني، وهذا ينطبق تقريباً على معظم الأديان والتصورات الروحية. إسلامياً، يمكن أن نلحظ بسهولة التعاظم المستمر للظواهر الإسلامية بأطيافها المتنوعة، المعتدلة والمتطرفة، المسيّسة وغير المسيّسة، الروحية البحتة، والتدخلية البحتة في الشأن العام، وكيف تركب موجات التعولم التقني والجغرافي. فالكثير من هذه الجوانب يتصف بطاقة ذاتية كبيرة حررتها من أية سيطرات مباشرة، وأطلقت يدها في الفضاء التخصصي الذي تهتم به، بحيث انتهت إلى بناء فضاءات شبه بديلة لما هو قائم، أو على الأقل تتصف بدرجات كبيرة من الحكم الذاتي. وهنا ليس لنا إلا التأمل في امتدادات ما يُطلق عليه الإعلام الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي، والفن الإسلامي، والتحزب الإسلامي، والمقاومة الإسلامية. لكن "تحرير الدين" من كل القيود التقليدية كالحدود الجغرافية، والسلطة المركزية، والرقابة اللصيقة، يحمل المخاطر نفسها التي يحملها "تحرير السوق" من كل القيود، بل ويزيد على تلك المخاطر. وإذا كان رأس المال هو عجلة "سوق التجارة" المندفعة في كل مكان تدوس كل ما يواجهها من معوقات غير آبهة بها من أجل تحقيق الربح والمصلحة الآنية، فإن الهيئات والحركات الدينية اليوم هي التي تشكل عجلة "سوق الدين" المنطلقة بلا تردد تدوس ما تلاقيه في طريقها ولا تتردد في طحنه من أجل الوصول إلى أهدافها في المزيد من السيطرة على الفضاء العام. وكما تمت ومازالت تتم مواجهة توحش رأس المال المعولم الذي لا يهمه سوى الربح ولو على حساب إنسانية الإنسان وقيم العدل والمساواة بين البشر، فإن هناك حاجة لمواجهة توحش الدين المعولم الذي لا يهمه سوى إخضاع البشر لتفسيرات زعماء الهيئات والأحزاب التبشيرية والدينية والسيطرة عليهم. والحال أن رأس المال المنفلت من كل قيد في عصر التعولم عاث في كثير من مناطق العالم فساداً ودمر اقتصادات وأفقر مجموعات بشرية هائلة وتسبب في حروب كثيرة. والدين المنفلت من كل قيد في عصر التعولم لا تقل أخطاره عن ذلك أيضاً. ولئن شهدنا خلال الآونة الأخيرة كيف قاد رأس المال وسوقه الحرة إلى أزمة اقتصادية ومالية معولمة عميقة كادت تقود إلى كوارث كبرى، فإننا لسنا بعيدين عن كوارث محلية وإقليمية على أقل تقدير، وربما عالمية في المدى غير المنظور، ناشئة عن الدين المعولم (ولا نحتاج هنا للتذكير بحروب بوش الابن وحروب "القاعدة" وابن لادن، وهي أمثلة بارزة على تلك العولمات الدينية). إسلامياً، مرة أخرى، حان الوقت للتأمل في المعضلة الكبيرة التي نواجهها ويتمثل جانب منها في هذا الانفلات والتفتت الديني اللامركزي المؤقلم والمعولم والذي كله يزعم النطق باسم الإسلام والدفاع عنه. وهو انفلات يتجسد معظم تمظهراته على شكل تعصب مسلكي وانغلاق اجتماعي، أو عنف دموي. فمن خلايا "القاعدة" في موريتانيا، إلى خلاياها في العراق والصومال، وصولاً إليهم في قطاع غزة يتفاقم "تحرير الدين" وانزلاقه بعيداً عن سيطرة الدول أو أية جهة مركزية، ويزداد توحش منسوبيه ومعتنقي أكثر تفسيراته تطرفاً، كل منهم يريد أن يقيم دولة الإسلام في حارته وأزقته. كنت من الكثيرين الذين كتبوا في سنوات سابقة ناقدين سيطرة الدولة المركزية على الفضاء الديني كجزء من سيطراتها الأخرى، بكون تلك المركزية تتحكم في خيارات البشر وتقيدها. ولكن ما يتبدى الآن هو أن تلك السيطرة المركزية كانت أفضل من توحش "حرية سوق الدين" التي نراها راهناً. نعرف بطبيعة الحال أن هذه "الحرية" تطورت على رغم إرادة الدولة المركزية، لكن الملاحظة المهمة هنا هي أن "دين الدولة" الواقع تحت سيطرتها كان في معظم الحالات أكثر صيغ الدين تسامحاً وقبولًا للآخر ومراعاة للظروف وانسجاماً مع متطلبات العصر. أما "حرية سوق الدين" الحالية وترجماتها الحركية الإسلاموية، فكأنما هي شقيق في توحشها لحرية "رأس مال السوق"، بل وتزيد عليها لأنها تزعم الحركة باسم الغيب والدفاع عنه.