"فتح": تحولات الفراغ وأسئلة المصير! أخيراً، تجاوزت حركة "فتح" آخر عقبة واجهت مؤتمرها العام السادس المنعقد ببيت لحم في الضفة الغربية، فأعلنت النتائج النهائية لانتخابات مجلسها الثوري بعد اعتماده من قبل أبو مازن بوصفه رئيساً للحركة. ووفقاً للنتائج المعلنة أول أمس السبت في رام الله، فإن المجلس الجديد المكون من 81 عضواً ليس به من الأعضاء السابقين سوى 19 شخصاً فقط. ويمثل المجلس الثوري ثاني أعلى هيئة قيادية في البناء التنظيمي لحركة "فتح"، بعد مجلس المركزي الذي أُعلنت نتائج انتخاباته يوم الخميس الفائت، مسفرة عن صعود 14 عضواً جديداً من أصل مجموع أعضائه البالغ عددهم 19 عضواً. فهل تعني هذه النتائج أن الحركة خرجت من مرحلة لتدخل أخرى، مع جيل جديد يتهيأ لإحداث تغيير كبير في السياسات والمواقف والرؤى والممارسات؟ وقبل ذلك، ما هو المسار التاريخي لـ"فتح"، منذ النشوء وحتى مؤتمرها العام الأخير؟ "فتح"، هي اختصار مقلوب لـ"حركة التحرير الفلسطيني"، وهي أقدم وأكبر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وقد أُعلنت انطلاقتها في الأول من يناير عام 1965، من خلال عمليتها الفدائية الأولى (نفق عيلبون)، وبيانها العسكري الأول الذي حمل توقيع جناحها العسكري "قوات العاصفة"، مدشنة بذلك مرحلة جديدة للكفاح الفلسطيني المسلح. وكانت الحركة قد تأسست سراً عام 1957، وأمضت ثماني سنوات في الإعداد والتهيئة على أيدي قيادة النواة الأولى للتنظيم، وهم: ياسر عرفات، وخليل الوزير، وصلاح خلف، وفاروق القدومي، ومحمد يوسف النجار، وكمال عدوان. وكان لـ"رابطة الطلبة الفلسطينيين" في مصر برئاسة عرفات، الدور الريادي في الحركة، وعقب انتقال قادتها المؤسسين إلى السعودية والكويت وقطر، توسعت وانضمت إليها نحو 40 منظمة فلسطينية، لتصبح حركة وطنية علمانية تنتمي إلى يسار الوسط. وبحلول عام 1962، أصبح لـ"فتح" معسكر في الجزائر، ثم معسكر آخر في سوريا عام 1964، لتستكمل جناحها العسكري "العاصفة"، ولتبدأ كفاحها المسلح. وبعد معركة الكرامة عام 1968 على الضفة الشرقية لنهر الأردن، انهالت المساعدات على "فتح"، ولقيت تأييداً عربياً رسمياً في مؤتمر قمة الرباط عام 1969. لكن في العام التالي شكلت معارك "أيلول الأسود" امتحاناً عسيراً لـ"فتح" خرجت منه منهكة وبخسائر فادحة. وبعد مغادرة الأردن إلى لبنان، جاءت تجربة الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وحصار بيروت وخروج قيادة "فتح" عام 1982، ثم حرب المخيمات في لبنان (1985- 1988)... كتجربة عويصة أخرى للحركة. بيد أن موقف الحركة المنحاز إلى صدام حسين في حرب الخليج الثانية عام 1991، كان له أثر سيئ على وضعها فيما بعد، إذ اضطرت لقبول الذهاب إلى مؤتمر مدريد وفق شروط مجحفة ترجمها اتفاق أوسلو عام 1993. وفي سياق خيارها التفاوضي الجديد، أعلنت "فتح" اعترافها بإسرائيل، وقررت التخلي عن نهج الكفاح المسلح، واكتفت بالسعي إلى تحرير الضفة والقطاع فقط (لم يكونا محتلين عند ما تأسست). وبداية من عام 1994، بدأت الحركة تتحول إلى سلطة، لكنها سلطة منقوصة السيادة وواقعة تحت احتلال يجردها من كل شيء تقريباً. وهكذا، فإن تحولها إلى "حزب حاكم" قد أتاح لها بعض وسائل السلطة، لكنه أثر سلباً على صورتها في أذهان مواطنيها، ليس فقط بسبب التنافس على الامتيازات والمناصب والصفقات، ولكن أيضاً لأن الناس يحسبون عليها أخطاء السلطة وقصورها. وكان من نتائج ذلك أنها خسرت الانتخابات التشريعية في عام 2006، وفي العام التالي فقدت السيطرة على القطاع لصالح منافستها حركة "حماس". ولا يمكن قراءة مسار "فتح" خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، بمعزل عن الفراغ الذي أحدثه غياب قائدها التاريخي المؤسس ياسر عرفات، بما كان له من قدرة على إدارة التناقضات والطموحات الفردية، لكن مع ذلك كانت الحركة قد عرفت في الفترة الأخيرة من حياته ظهور تيار قوي يناهضه، بقيادة عباس ودحلان. وقد أظهر المؤتمر العام السادس للحركة، والتحضيرات التي سبقته، وجود ثلاثة تيارات داخل الحركة: تيار القيادة التاريخية بزعامة عباس، وتيار القيادة الشابة بقيادة دحلان، وتيار القيادة الثورية بقيادة مروان البرغوثي. هذا إضافة إلى فاروق القدومي، والذي إن كان قد فقد الكثير من قدرته على التأثير في صناعة القرار الفتحاوي، فإنه يبقى أحد القادة التاريخيين المؤسسين للحركة، والذين لم يبق منهم على قيد الحياة سوى أربعة أشخاص هم: القدومي نفسه، وعباس، ومحمد راتب غنيم، وسليم الزعنون. وغير بعيد عن هذا الانقسام الداخلي، أُثيرت اعتراضات واسعة على نتائج انتخابات المؤتمر العام لـ"فتح" خلال الأسبوع الماضي، حيث تقدم مرشحون بطعون على النتائج المعلنة، واعترض آخرون على تمثيل قطاع غزة وطريقة تصويت ممثليه، بل شكك أحمد قريع في العملية الانتخابية برمتها وفي نتائجها... لذلك حذر البعض من حدوث انشقاقات قادمة واسعة داخل "فتح". بيد أنها فيما لو حدثت بالفعل، فلن تكون الأولى في تاريخ الحركة، فقد عرفت منذ سبعينيات القرن الماضي عدة موجات خروج وانشقاق جماعي؛ إذ انشق في عام 1974 ممثلها في العراق "صبري البنا" ليؤسس "فتح -المجلس الثوري". كما انشقت عليها في عام 1980 جماعة بقيادة عبد الكريم حميدي معلنة ميلاد "فتح -مسيرة التصحيح"، ثم تشكلت "فتح -الانتفاضة" على أيدي منشقين آخرين عام 1983. وبعد ذلك كان انشقاق قائد قوات العاصفة "أبوصالح" وقادة عسكريين آخرين. لكن هل تستطيع الوجوه الجديدة أن تضخ دماً جديداً في شرايين الحركة؟ وهل سيكون مؤتمر بيت لحم بداية لاستئناف دورية مؤتمرات الحركة المتوقفة منذ عشرين عاماً؟ وماذا ينتظر من قيادة "فتح" لصالح العمل المؤسسي وديمقراطية القرار داخل هيئاتها؟ وهل يؤثر اللغط الحالي حول نزاهة الانتخابات على الدور القيادي لـ"فتح" داخل منظمة التحرير، وفي عموم الشعب الفلسطيني، في الداخل وفي الشتات؟ أسئلة معلقة على مآل الخلافات الداخلية، داخل "فتح" نفسها، وداخل الصف الوطني الفلسطيني عامة. محمد ولد المنى