في محاولة الوفاء بما قطعه على نفسه من عهود أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، بات الرئيس أوباما مهدداً بأن يفرض الواقع عليه عكس ما أراد. وقبل ذلك، كان الرئيس الأسبق بوش الأب قد وعد ناخبيه بعدم زيادة الضرائب أثناء حملته الانتخابية لعام 1988 بقوله: صدِّقوا ما أقوله لكم... لن تكون هناك ضرائب إضافية في حال فوزي بالرئاسة. وكان ذلك الوعد من بين أهم العوامل التي ساعدته في الفوز بالمنصب الرئاسي بالفعل. ولكنه اضطر للتراجع عما وعد به تحت تفاقم وطأة الضغوط الاقتصادية إبان إدارته، فوقف إلى جانب قرار زيادة الضرائب. وبالطبع، كان ذلك التراجع سببباً رئيسياً أيضاً في عدم إعادة انتخابه لولاية ثانية، نتيجة الضرر الذي ألحقه بنفسه. وأكثر من ذلك أن بوش الأب لم يكن هو الرئيس الوحيد الذي اضطر للتراجع عما وعد به. بل الحقيقة أن نسبة وفاء الرؤساء الأميركيين بوعودهم الانتخابية تقل عن 70 في المئة، وفقاً لما تشير إليه الدراسات التاريخية. ومن هنا، ينشأ السؤال: كيف للمواطنين أن يتوخوا العدل في حكمهم على مدى وفاء الرؤساء بوعودهم؟ فيما يتعلق بالرئيس الحالي أوباما، كان قد خاطب عدداً من الناشطين في وقت مبكر من الشهر الحالي بقوله: "إنني أتوقع وآمل ألا تحكموا عليّ بما قلته أو وعدت به، إنما من واقع قدرة إدارتي على الوفاء بما قطعته على نفسها". وربما كان القصد وراء هذا التصريح الحذر، التأكيد من جانبه أن العبرة هي فقط بالفعل والنتائج. غير أن الجملة نفسها تحوي ما يشير إلى رغبة في تجاهلنا للوعود والكلمات التي ربما لا يتسنى له الوفاء بها، مع أخذنا بالنتائج والأفعال وحدها. وهذا مما لا يستقيم، بأي شكل. فالصحيح أن للوعود والعهود أهميتها. وذلك هو ما أجمع عليه عدد من كبار مستشاري السياسات الرئاسية الذين شاركوا في منتدى عقد مؤخراً بمركز "ميلر" للشؤون العامة بجامعة فرجينيا. وقد تحدث هؤلاء المستشارون بدرجة كبيرة من الوضوح حول مدى تأثير حقائق الواقع العملي على أداء الرؤساء وقدرتهم على تنفيذ وعودهم. كما تحدثوا أيضاً عن الكيفية التي يمكن بها للمواطنين الحكم على مدى التزام الرؤساء بما وعدوا به. وفيما يلي نستعرض ثلاثة من الأمور التي أجمع عليها المشاركون في المنتدى المذكور: أولاً: هل يعتبر الرئيس وطاقمه الرئاسي الوعود الانتخابية معياراً لأدائهم؟ في الإجابة عن هذا السؤال، أكد "بروس ريد"، الذي عمل مستشاراً سابقاً للرئيس كلينتون، أن وعود الرئيس يجب أن تكون مقدسة لأي إدارة من الإدارات، وأن نجاح الإدارة في تحقيق تلك الوعود هو الذي يتيح فرص إعادة انتخاب الرئيس لدورة ثانية، أو يرجح فشل إعادة انتخابه. ووصف "ريد" ما حدث في اليوم الأول لتنصيب الرئيس الأسبق بيل كلينتون. فقد نشرت صحيفة "واشنطن بوست" حينها قائمة بوعود الرئيس الانتخابية. ومن ناحيته، بادر كل أعضاء الطاقم الرئاسي إلى وضع تلك القائمة على طاولات مكاتبهم وجعلوا منها مرجعاً لأدائهم اليومي. ثانياً: هل يحدد الرئيس أولويات لأهم ما جاء من وعود في حملته الانتخابية؟ على الرئيس أن يحدد جدولاً لأولويات وعوده، مع إعطاء الأكثر أهمية منها كل ما يستحقه من اهتمام وجهد. وعليه، أن يدرك أن الناخبين لن يسامحوه مطلقاً في النكث بهذا النوع من الوعود. ومن جانبها، أكدت المشاركة "مارجريت سبيلنجز"، التي عملت مستشارة للرئيس السابق بوش الابن، أن وعد إصلاح التعليم الذي قطعه على نفسه خلال ولايته الأولى، كانت له أهمية كبيرة جعلت منه واجباً أساسياً من الواجبات التي لا مناص من إنجازها. ونتيجة لعمل الطاقم الرئاسي على أساس يومي على ذلك الواجب، مصحوباً بتصريحات الرئيس المتكررة عما أنجز في قوله الشهير: "يجب على نظامنا التعليمي ألا يسمح بتخلف طفل أميركي واحد عن الدراسة"، فقد اطمأن الجمهور الأميركي عامة على الأولوية والاهتمام اللذين تعطيهما الإدارة لتلك المسألة. وقالت "سبيلنجز" إن هجمات 11 سبتمبر قد غيرت كل شيء في أولويات الإدارة وقللت من قدرتها على التصدي لعدد من الأولويات الأخرى، إلا أن بوش تمسك إلى حدٍ كبيرٍ بإصلاح النظام التعليمي. ثالثاً وأخيراً: هل يبدي الرئيس قدراً من المرونة إزاء الكيفية التي يتم بها الوفاء بوعوده الانتخابية؟ هذا ما أجبت عنه أنا كاتب هذه السطور الأول (إيجل بد كرو)، بصفتي مستشاراً سابقاً للرئيس نيكسون، خاصة أن الرئيس كان قد تعهد بخفض معدلات الجريمة في مقاطعة كولومبيا. فإثر تولي نيكسون لمهامه الرئاسية، أمرني على الفور بتنفيذ الوعد الذي قطعه على نفسه في حملته الرئاسية لعام 1968 بخفض معدلات الجريمة على المستوى القومي العام، لاسيما في مقاطعة كولومبيا. ومن شدة اهتمامه بهذا الأمر، كان نيكسون قد وصف تلك المقاطعة بأنها "عاصمة الجريمة العالمية". وبعد اجتماع مع الرئيس استمر لمدة ساعة كاملة، اتصلت بعمدة المقاطعة "والتر واشنطن" وطلبت منه بدء العمل على خفض الجريمة في مقاطعته. وبالفعل حدث الانخفاض المطلوب بعد بضعة أشهر فحسب من بدء العمل على مكافحتها. يجدر القول إن إدارة أوباما أطلقت وعوداً غير مسبوقة في طموحها، بما لا مجال لمقرنته مع أية إدارة أخرى في تاريخ أميركا الحديث. ولذلك يتعين على أوباما البدء في العمل الجدي لتنفيذ أهم وعوده وأكثرها أولوية إن كان يريد أن يجدد رئاسته لولاية ثانية. ---------- إيجل بد كرو وميلاني دو إيفلن محللان سياسيان من مركز الدراسات الرئاسية الأميركي ---------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"