1973... عام كيسنجر! --------- كان عام 1973 عاماً مشهوداً وحافلاً بالكثير من الأحداث التي أثرت على العلاقات الدولية وغيرت الأوضاع الجيوسياسية في عدد من مناطق العالم على نحو مازالت تداعياته مستمرة إلى اليوم: اندلاع حرب أكتوبر، وانتهاء حرب فيتنام، وسياسة "الانفراج" مع الاتحاد السوفييتي. كما أنه العام الذي كان فيها الجهاز التنفيذي الأميركي في حالة انهيار بعد انكشاف تفاصيل فضيحة "ووترجيت"، وتوقفت فيه الدول العربية عن تصدير النفط إلى الخارج، مما أدى إلى أزمة طاقة وضعت الغرب على شفير كارثة اقتصادية. غير أن 1973 كان أيضاً عام هينري كيسنجر، الرجل الذي هيمن على الدبلوماسية الأميركية في مطلع ذلك العقد، كمستشار للأمن القومي الأميركي، ثم كوزير للخارجية في إدارتي نيكسون وفورد، حيث وجد كيسنجر نفسه مطالباً بقيادة السياسة الخارجية لبلاده في غياب الرئيس نيكسون الذي تحول حينها إلى "بطة عرجاء". كما أنه العام الذي مُنح فيه كيسنجر نفسه "جائزة نوبل للسلام" مناصفة مع الزعيم الفيتنامي الشيوعي لي دوك ثو الذي رفضها بدعوى أن السلام لم يستتب بعد في بلاده. لكن كتاب أليستر هورن "كيسنجر: 1973، العام المشهود"، والذي نعرضه في هذه المساحة ليس السيرة الذاتية الأولى التي تتناول حياة ومشوار هينري السياسي، إذ سبقه كتاب آخرون أبرزهم وولتر إزاكسون (كيسنجر: سيرة حياة)، وسيمور هرش (ثمن السلطة)، وكريستوفر هيتشنز (محاكمة هينري كيسنجر)... لكن مؤلفاتهم جميعها لم تكن منصفة لكيسنجر، كما يرى هو، مما جعله يلجأ إلى أليستر هورن، المؤرخ البريطاني المعروف بنزعته المحافظة، لتصحيح بعض "المغالطات" وإصلاح ما لحق بصورة كيسنجر من ضرر. وفي هذا السياق، صدّر هورن كتابه بتوضيح ظروف انبثاق فكرة تأليف الكتاب، قال فيه إنه التقى مع كيسنجر عام 2004، واقترح عليه هذا الأخير التركيز على عام 1973 لما شهده من أحداث مهمة. ويعتقد هورن أننا بلغنا اليوم مرحلة يمكننا فيها النظر إلى سجل كيسنجر بموضوعية أكبر. غير أنه رغم العلاقة التي تربط هورن بكيسنجر والتي تعود إلى أزيد من ثلاثة عقود، ورغم "شرف" اختياره من قبل كيسنجر لكتابة سيرته الذاتية، فإنه لم ينجر إلى رسم صورة مثالية عنه، ولم يسقط في الإطراء والمديح له. لذلك لم يبخس الكاتب الرئيس نيكسون حقه واعترف له بمساهماته في الشؤون الخارجية لبلاده، حيث قال: "من دراسة الوثائق الأساسية، يتضح بجلاء أن المبادرات، خاصة الانفتاح على الصين والانفراج مع روسيا، كانت من بنات أفكار نيكسون وليس كيسنجر". في تلك الفترة، يرى كثيرون أن كيسنجر أبلى بلاءً حسناً لإنهاء حرب 1973 بين العرب وإسرائيل خلال أسابيع من الدبلوماسية المكوكية، خلافاً للشيلي التي شكلت نقطة أقل سطوعاً في سجله. غير أن هورن، الذي أمضى ردحاً من الزمن في الشيلي، يبرئ نيكسون وكيسنجر معاً من أي مسؤولية عن الانقلاب العسكري الذي خلع رئيسها المنتخَب سالفادور أليندي. بل لم الكاتب لم يقف عند هذا الحد، حيث سعى أيضا لتبييض صورة الديكتاتور بينوتشي الذي حكم البلاد بقبضة من حديد وقتّل معارضيه. وبالمقابل، يمكن القول إن هورن أفلح في تصوير الثورة التي أثارها تشديد كيسنجر على ضرورة وأهمية إقامة علاقات جيدة مع الكريملين على يمين الطيف السياسي الأميركي، حيث ندد كل المحافظين بسعي كيسنجر وراء الانفراج مع الاتحاد السوفييتي. على أن الأمر لا يتعلق هنا بموضوع مثير للجدل من الماضي؛ إذ رغم أن مشوار كيسنجر في الحكومة الأميركية انتهى على نحو فجائي منذ سنوات عديدة، فإن المعارك حول ضرورة سعي واشنطن إلى المصالحة مع الخصوم الخارجيين من عدمها مازالت مستمرة إلى يومنا هذا. ومما يقوله هورن في كتابه أن كيسنجر اغتنم طرد أنور السادات للمستشارين والمدربين الروس من مصر من أجل استبدال الاتحاد السوفييتي بغريمته أميركا كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط، وطالب بإرسال طائرات محملة بالتجهيزات والمعدات العسكرية إلى إسرائيل من أجل مساعدتها على "الصمود" في حرب أكتوبر. غير أن هورن ينفي أن يكون كيسنجر قد انحاز إلى صف إسرائيل "كثيراً" على اعتبار أنه يهودي، بل حاول تجنب ذلك، كما يقول هورن. وختاماً، يجدر التذكير بأنه رغم كل شيء فإن هورن ليس متخصصاً في هذا النوع من الكتابة. لكن مما يحسب للرجل أنه كان يحرص على الرجوع إلى حجج منتقدي كيسنجر، من اليمين ومن اليسار، ويبحث الأدلة، وضمن ذلك جزء من الأرشيف السوفييتي رفع عنه طابع السرية مؤخراً، ليخلص في الأخير إلى نتيجة إيجابية عموماً، لكنه آثر مد القارئ بما يكفي من الحقائق والتحليلات حتى يخرج بالاستنتاجات بنفسه. محمد وقيف -------- الكتاب: كيسنجر... 1973 العام المشهود المؤلف: السير أليستر هورن الناشر: سايمون آند شوستر تاريخ النشر: 2009