لعلّنا ندرك جميعاً الأهمية البالغة للرضاعة الطبيعية في الحفاظ على صحة المولود الجديد، وفي وقايته من بعض الأمراض، خصوصاً في الأيام والأشهر الأولى، حيث يعتبر اللبأ (Colostrum)، أو السائل الأصفر اللزج الذي تنتجه الأم بعد الولادة مباشرة، غذاءً مثالياً للطفل حديث الولادة؛ ولذا ينصح الأطباء دائماً ببدء الرضاعة طبيعياً في الساعة الأولى من حياة الطفل. أما على المدى الطويل، أو على الأقل في الأشهر الستة الأولى، فينصح أيضاً بالاعتماد على الرضاعة الطبيعية بشكل حصري وتام، لنيل أكبر قدر من الفوائد التي يحملها حليب الأم في طياته. وهذه الأهمية الفائقة للرضاعة الطبيعية، تكتسي مكانة خاصة في أوقات الأزمات والكوارث، سواء تلك الناتجة عن أحداث طبيعية مثل الزلازل والفيضانات، أو عن أفعال بشرية مثل الحروب والصراعات المسلحة. ففي تلك المواقف، تتعرض صحة وحياة جزء كبير من السكان لأخطار داهمة، خصوصاً بين المواليد الجدد والأطفال الرضع بسبب سوء التغذية وأمراض الإسهال والأمراض التنفسية، مما يجعل الرضاعة الطبيعية في مثل هذه الظروف خط دفاع أساسياً لغرض الوقاية من الأمراض وللبقاء على قيد الحياة. وهذه الحقيقة المهمة كانت هي المحور الرئيسي ضمن فعاليات احتفالات منظمة الصحة العالمية بأسبوع الرضاعة الطبيعية بداية الشهر الجاري، والتي تمت بالتعاون مع التحالف العالمي للرضاعة الطبيعية (World Alliance for Breastfeeding Action). ومن المعروف أن حليب الأم يعتبر الغذاء المثالي للأطفال حديثي الولادة والأطفال الرضّع، نتيجة احتوائه على جميع المغذيات التي يحتاجها من هم في هذه المرحلة العمرية، لضمان نموهم الطبيعي والحفاظ على صحتهم العامة. وفي حالة الأزمات والكوارث الطبيعية، والتي غالباً ما تترافق بانهيار تام في البنية التحتية الأساسية، مما ينتج عنه شح في مياه الشرب النظيفة وتلوث لأشكال الطعام المختلفة، تتزايد أهمية حليب الأم كغذاء آمن غير ملوث بالجراثيم، يحتوي أيضاً على أجسام مضادة تكافح الميكروبات التي قد تصل للطفل بسبل أخرى، وتسبب له أمراض الإسهال والأمراض التنفسية. ويتمتع حليب الأم بميزات أخرى، مثل توافره بشكل دائم في كل مكان يوجد فيه الطفل مع أمه، وعدم الحاجة إلى نقود أو أية مصادر مالية للحصول عليه في وقت كثيراً ما تكون فيه مدخرات الأسرة قد ذهبت أدراج الرياح، وجفت منابع دخلها المالي. وبالنظر إلى هذه المزايا، وعلى خلفية الظروف المحيطة بالأم وطفلها في أوقات الأزمات والكوارث، يعتبر دعم ومساندة الأم كي يصبح حليبها متوفراً دائماً لطفلها، أحد الأهداف الصحية الأساسية الواجب تحقيقها بين تجمعات النازحين ومعسكرات اللاجئين، خصوصاً فيما يتعلق بضرورة تثقيف الأم بأنها تستطيع -بل ويجب عليها- الاستمرار في إرضاع طفلها، حتى ولو كانت قد هجرت منزلها وقريتها أو مدينتها، وهامت بطفلها على الطرقات أو بين خيام اللاجئين. وهذه النقطة بالتحديد، تظهر مدى أهمية التثقيف الصحي في تحقيق الأهداف المرجوة من الرضاعة الطبيعية في أوقات الأزمات والكوارث. فعلى سبيل المثال، كثيراً ما يهرع أصحاب القلوب الطيبة والكريمة للتبرع بكميات ضخمة من الحليب الاصطناعي (البودرة) لمساعدة من نزحوا وتحولوا إلى لاجئين. وهذا التصرف، وعلى رغم أنه فعل يقصد به الخير، أحياناً ما يؤدي إلى نتائج عكسية. فالحليب الاصطناعي، يمكنه أن يوفر قدراً جيداً من السعرات الحرارية، ولكنه غالباً ما ينتقص الفوائد الأخرى التي يحملها حليب الأم الطبيعي، خصوصاً على صعيد الوقاية من الأمراض مثل الإسهال، الذي يعتبر القاتل الأكبر للأطفال في مثل تلك الظروف. ونتيجة لهذا، تضع منظمة الصحة العالمية ومفوضية الأمم المتحدة للاجئين، وغيرهما من المنظمات العاملة في مجال غوث اللاجئين، شروطاً وإجراءات صارمة لقبول وتوزيع التبرعات بشحنات من الحليب الاصطناعي. وهذه الإجراءات والإرشادات قد تبدو للبعض غريبة، حيث أحياناً ما تمنع وصول الحليب الاصطناعي إلى معسكرات اللاجئين، أو على الأقل تحدّ من نطاق توزيعه بينهم، ولكنها في الحقيقة تؤكد مدى الأهمية التي يعلقها العاملون في المجال الصحي الدولي على حليب الأم الطبيعي. والمفهوم الآخر الخاطئ، والمنتشر إلى حد كبير، هو أن الأمهات في تلك الظروف كثيراً ما يعانين هن أنفسهن من سوء التغذية، ولذا ينبغي عليهن الامتناع عن الرضاعة الطبيعية، كي لا تزداد حالتهن الصحية سوءاً، ولأن حليبهن في تلك الأوقات يكون منخفض القيمة الغذائية والصحية. والحقيقة هي أن الأم، حتى ولو كانت تعاني هي نفسها من سوء تغذية، فهي تبقى قادرة على إنتاج حليب عالي النوعية، مرتفع في القيمة الغذائية، وإن كان بكميات أقل من الأحوال الطبيعية. ولذا، يفضل بدلاً من دعم الطفل بالحليب الاصطناعي، العمل على توفير احتياجات الأم، لدرء شبح سوء التغذية عنها، ولتمكينها من توفير كميات كافية من الحليب الطبيعي لطفلها. وهو ما يعني أن الطريق غير المباشر هو الأفضل، من خلال توفير الدعم الغذائي للأم للحفاظ على حياتها ووقايتها من الأمراض، مما يجعلها في وضع تصبح فيه قادرة على تحويل الغذاء منخفض القيمة بالنسبة للطفل، ومن خلال العمليات الفسيولوجية داخل جسمها، إلى غذاء عالي القيمة، دافئ، وغير ملوث، ومتوافر على مدار الساعة. د. أكمل عبد الحكيم