قد نشهد، خلال الأيام القليلة المقبلة، في الساحة السياسية العربية مشاحنات ومزايدات حول مواقف عربية من قضية السلام المعقدة، وتحديداً مسألة حلّ الدولتين. هناك مؤشرات ودلائل على أنه لا يوجد موقف عربي موحد تجاه التعامل مع ما تطرحه الإدارة الأميركية الحالية برئاسة أوباما، فيما يخص الصراع العربي -الإسرائيلي. هذا الأمر معروف من الناس العاديين قبل السياسيين، وهناك تاريخ سياسي لهذه القضية بأن مسألة التخوين والاتهامات بعدم الوطنية العربية والإسلامية للعرب، حسب اعتقاد كل دولة، وهي مسألة معروفة هي الأخرى، فالكل يدرك أن تبني هذه القضية والتحدث فيها متاح لكل العرب والمسلمين مع الفلسطينيين، سواء أكان هؤلاء حركات مقاومة أم دولاً. وحسب الخبرة التاريخية، فإنه من الصعب أن يلتقي العرب جميعهم حولها. من المهم ملاحظة حقيقتين باتتا واضحتين للمراقبين: الحقيقة الأولى أن جورج ميتشل، المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، بدأ يسرب تصريحات حول رغبة بعض العرب في معرفة ما سيكون عليه الرد الإسرائيلي إن أقدم العرب على تقديم تنازلات أو إن وافقوا على إدخال تعديلات على المبادرة العربية للسلام، خاصة فيما يخص المقاومة وعودة اللاجئين، أو إن وعدوا الإدارة الأميركية بشأن التوصل إلى اتفاق سلام. الحقيقة الثانية تتمثل في أن هناك دولاً عربية أخرى بدأت المطالبة بفتح ملف التعامل مع الدولة الإسرائيلية باعتبار أن هذا الأمر سيكون له التأثير المطلوب في فتح آفاق التوصل إلى حلول وسط مع إسرائيل. الحقيقتان تختصران المشهد السياسي العربي، وتحملان كذلك المغزى السياسي. وإذا ما تحدثنا عن المشهد السياسي العربي، فإن العرب مازالوا يسيرون بشكل منفرد في تعاملهم مع الدولة الإسرائيلية فيما يخص قضيتهم الأولى فلسطين، رغم كل المعاناة، حتى وإن كانوا قد اتفقوا على مبادرة للسلام بشكل مشترك، وبالتالي يكون الأمر صعباً أثناء التطبيق، وهو ما يعني العودة بالقضية إلى الوراء وعدم تحقيق أي نجاحات، أو ما يمكن القول إنه سير إلى الأمام. أما المغزى فيما يحدث من تحركات عربية فردية، فإن الأمر قد يمثل نقطة إحراج للكثير من الدول العربية، خاصة تلك التي لها علاقة بالقضية الفلسطينية ولها صدقية في المحافل الدولية، حيث يطلب منهم إثبات موقفهم من سير الأمور، مما يعني انقسامات سياسية عربية جديدة. والخوف هو من أن تتطور هذه المنافسات والتحركات العربية غير المنسقة إلى أن يخسر العرب الظروف الدولية المهيأة، وبالتالي يزيد حجم الخسارة. وعلى هذا الأساس، فإن أي خطوة عربية يمكن أن تقدم عليها دولة عربية دون إجماع عربي، لا يمكن أن يؤتمن عليها، فالأمر بحاجة إلى خطة عمل سياسية عربية كي تمثل ثقلاً عربياً موحداً يكون الالتزام به مضموناً من الطرفين العربي والإسرائيلي، ويكون كذلك مناسباً لممارسة أي ضغوط جماعية لكي يقبل الفلسطينيون التصالح، ويكون كذلك أي خلل فلسطيني أو عربي موضع مصارحة ومكاشفة؛ لأن الشعوب العربية كرهت الغموض العربي وضبابيته التي تدفع إلى الانقسامات. العالم كثيراً ما يتعامل مع العرب بإقرار وصفهم باللافاعلية بسبب تعدد آرائهم، وهو مؤشر على عدم الجدية وعدم المصداقية. لا يمكن أن نتصور حلاً نهائياً للصراع العربي -الإسرائيلي ما لم يكن هناك إجماع عربي دون تنافس من أجل الحصول على تأييد أميركي، بل إنه بغير ذلك الإجماع سيتحول الأمر إلى مزايدات وتخوينات فيما بين الداعمين لاتفاق سلام والرافضين للتعامل مع إسرائيل. من المهم أن يكون هناك حد أدنى من الاتفاق العربي في التعامل مع إدارة أوباما، والأهم أن يكون هناك توجه عربي لاستثمار الظروف الدولية، وليس تحقيق مكاسب فردية على حساب الآخرين.