مع بداية شهر أغسطس الجاري، نقلت شاشات التلفزيون صوراً صادمة تظهر أعداداً كبيرة من قوات الشرطة الإسرائيلية المدججة بالسلاح وهي تطرد أكثر من خمسين فلسطينياً من بيوتهم في القدس الشرقية، وفيما كانت الشرطة تُخرج النساء والأطفال الفلسطينيين بالقوة وتسحبهم عبر عتبة الباب، كما لو أنهم بضاعة يقذف بها في الخارج، كانت مجموعة من المستوطنين المصممين يحلون محل الفلسطينيين ويستقرون داخل بيوتهم. وكان التبرير الذي قدمته السلطات الإسرائيلية لتسويغ عملية الإخلاء القسري هذه، هو قرار المحكمة الإسرائيلية بعد فترة طويلة من النظر في القضية المعروضة أمامها والقاضي بأن ملكية المنازل التي عاشت فيها العائلات الفلسطينية لسنوات طويلة تعود إلى يهود، رغم أن العائلات الفلسطينية لا مأوى لها ولا مكان تلجأ إليه ليقيها هي وأطفالها التشرد، بعد فقدان منازلها، سوى الشارع. ورغم الطابع المؤسف لهذه المشاهد المؤلمة التي نقلتها الفضائيات التلفزيونية إلى جميع أنحاء العالم، وكشفت مرة أخرى حجم معانات الفلسطينيين ومدى التجاوزات الإسرائيلية السافرة بحقهم، إلا أني في المقابل سررتُ لردة فعل الدبلوماسيين البريطانيين، والذين يبدو أنهم تلقوا ضوءاً أخضر من وزارة الخارجية يسمح لهم، وعلى نحو نادر، بالجهر بآرائهم وانتقاد التصرفات الإسرائيلية، حيث أصدرت القنصلية البريطانية في القدس الشرقية الكائنة بشارع \"نشاهيبي\" بالقرب من مستشفى \"سانت جونز\" للعيون، بياناً جاء فيه: \"إن الادعاءات الإسرائيلية بأن فرض المستوطنين اليهود داخل الحي العربي هي مسألة تعود إلى المحكمة أو البلدية، أمر غير مقبول، كما أن هذه التصرفات لا تنسجم مع رغبة إسرائيل في تحقيق السلام؛ لذا نهيب بالدولة العبرية بألا ترتهن لأجندة المتطرفين\". وفي الأعراف الدبلوماسية، فإن كلمات كهذه تمثل إدانة قوية لما قامت به إسرائيل في القدس الشرقية، وإن كان البيان قد تجنب الإشارة إلى \"المستوطنين اليهود المتطرفين\". لكني انزعجتُ كثيراً عندما سمعت أحد المتحدثين الإسرائيليين يعقب على الحادثة بقوله إن القانون في إسرائيل يحترم دائماً، وإن الشرطة من واجبها تنفيذ قرارات المحكمة والعمل على تطبيقها... رغم أن توني بلير المبعوث الدولي إلى الشرق الأوسط أشار في أكثر من مناسبة إلى معضلة المستوطنات التي تتنامى كل يوم في الضفة الغربية ومسؤوليتها المباشرة على تعطيل مسيرة السلام، بل اعتبرها مخالفة للقانون الإسرائيلي ناهيك عن القانون الدولي الذي ينص بصريح العبارة على أن القوة المحتلة عليها ألا تغير ملامح المناطق الواقعة تحت إدارتها، أو تسعى إلى تغيير واقعها الديموجرافي، كما تفعل ذلك إسرائيل في الواقع. وليس خافياً أن المستوطنين اليهود المتطرفين أول ما ينتهكونه هو القانون الإسرائيلي ذاته، وقد أشارت إلى ذلك الصحافة الإسرائيلية أكثر من مرة وكشفت عن التعاطف الذي يبديه الجيش والشرطة تجاه المستوطنين حتى وهم ينتهكون القانون ويعتدون على الفلسطينيين. وفي هذا السياق شهدت العلاقة بين القنصلية البريطانية في القدس والسلطات الإسرائيلية بعض التوتر عقب الزيارة التي قام بها مسؤول في وزارة الخارجية إلى القدس وتصريحه بأن الهدف من تمويل المملكة المتحدة لمشاريع في القدس الشرقية هو التصدي لموجة الاستيطان المكثفة التي تجتاح الأراضي المحتلة والحيلولة دون ابتلاعها بالكامل، والحقيقة أني لا أرى أي تصد للاستيطان الذي يزداد يوماً بعد يوم وإن كان موقف وزير الخارجية، ديفيد ميليباند، بالإضافة إلى نظرائه في باقي الدول الأوروبية، واضحاً تجاه الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، وذلك بإصرارهم على ضرورة وقف إسرائيل للاستيطان، وهم يعولون في ذلك على ضغوط إدارة الرئيس أوباما والجهود التي يبذلها جورج ميتشل لتحقيق بعض التقدم. فليس صعباً تخيل حجم المشاكل الأمنية التي ستنشأ في حال تعثر المسيرة السلمية واستمرار الجمود الحالي في التوصل إلى حل ينهي الصراع. فمنذ مؤتمر \"أنابوليس\" والمحاولات التي تبذل لإنقاذ الموقف في الشرق الأوسط تواجه التعثر والفشل، حيث عملت إسرائيل وكعادتها على تكثيف الاستيطان وهدم البيوت الفلسطينية، هذا في الوقت الذي أدار فيه المجتمع الدولي ظهره لمحنة غزة ومعاناة مليون ونصف مليون فلسطيني. وبالطبع لا يساعد الانقسام الذي يشهده الصف الفلسطيني بين \"حماس\" في قطاع غزة و\"فتح\" في الضفة الغربية. ولتعقيد الوضع أكثر اشترط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنينامين نتنياهو على الفلسطينيين الاعتراف أولاً بيهودية إسرائيل قبل أي تفاوض، وهو الأمر الذي رفضه عن حق محمود عباس؛ لأنه سيضر بمصير حوالي مليون فلسطيني يعيشون داخل إسرائيل (أراضي 1948)، فضلاً عن أنه يسقط حق عودة اللاجئين. مع أن الحكومة الإسرائيلية غيرت قليلاً من مواقفها المتصلبة وقبلت، بضغوط أميركية، الإشارة إلى حل الدولتين بدل الحديث عن حكم ذاتي ووضع اقتصادي مميز للفلسطينيين. إلا أنه أمام كل تنازل من الحكومة اليمينية، تبرز قائمة من الشروط والملاحظات الكفيلة بنسف أي تحرك جدي نحو السلام. فقد أصر نتيناهو على رفض المقترحات التي تثير مسألة سيادة الدولة الفلسطينية على القدس الشرقية، أو حتى الإشارة إلى المدينة المقدسة باعتبارها عاصمة للدولتين، وفي الوقت نفسه لا تستطيع السلطة الفلسطينية التساهل في هذا الموضوع بالنظر إلى الحجم الصغير أصلاً للدولة الفلسطينية والانفصال الجغرافي بين أراضيها. وليس أمامنا في هذه المرحلة سوى انتظار ما ستسفر عنه خطة الرئيس أوباما في الشرق الأوسط، والتي يرتقب الإعلان عنها خلال الأسبوع المقبل، وإن كان الأمل في إحداث تغييرات جوهرية وممارسة ضغوط حقيقة على إسرائيل، يبقى بعيد المنال. فرفض \"حماس\" الاعتراف بدولة إسرائيل والعمل مع \"فتح\" لتوحيد الموقف الفلسطيني، لا يقابله من جهة أخرى سوى امتناع المؤسسة السياسية الإسرائيلية عن الاعتراف بأن احتلالها للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية بعد حرب 1967، كان خطأً كبيراً، وهي اليوم تدفع ثمنه بعدما أصبحت رهينة المستوطنين المتطرفين والقوى الداعمة لهم داخل المجتمع الإسرائيلي.