يؤرقني بين الحين والآخر وضع التعليم في بلادنا العربية، خصوصاً الخليجية منها، كونها دول تملك ثروة لم تمكنها من استثمار إنفاقها على التعليم. وقد تذكرت وأنا أكتب هذا المقال ما قاله جون ديوي من أن التعليم هو محرك المجتمع. ورغم كمية الدراسات واللجان المعنية بإصلاح التعليم، إلا أن وضعنا بقى كما هو، وسر ذلك يكمن في غياب فهمنا لقوة التعليم وقدرته على تحريك المجتمع وضعف استيعابنا لدوره في صنع العقول... لذا باءت معظم محاولاتنا بالفشل. الإشكالية الكبيرة هي في خضوع التعليم للتسييس، حيث تحولت المناهج نحو الحشو، ومن ثم نجد مخرجات نظامنا التعليمي ماثلة أمامنا، ينخرها الضعف ويغيب عنها الإبداع. ودون الدخول في جدل عقيم، يبدو لي أن المشكلة الحقيقية تتجلى في الصراع حول غياب الهدف، لاسيما أن الدولة في العالم العربي لا تفكر بجدية في دور التعليم، حيث تتركه للعبث السياسي. واليوم نحن أمام تحولات كبيرة تفرض علينا ضرورة التغير، خصوصاً إذا استوعبنا أنه لا يمكن أن نعزل أنفسنا عن التغير العاصف الذي يعيشه العالم، تحت حجة حماية الثقافة القومية وما نسميه بالأصالة، فنحن نخاف التغير ونعتقد أن العزل الذي يمارسه البعض يحمي هويتنا وتراثنا، ونتعامل مع التراث وكأنه فاقد لجذوره وأن موجات التغير ستعصف به وتطيح بمكوناته، وهو دليل على غياب الثقة في ثقافتنا، حيث لا نريد أن نعترف بأن الثقافة العالمية تحمل جاذبية للشباب نتيجة لدعوات النكوص للوراء والاحتماء بالماضي، حيث نجد أنفسنا في ماضٍ لا نمسك به، وحاضر مغيبين فيه ومستقبل لا نملك التفكير فيه... فهي كلها هواجس خوف تحيط بنا من كل حدب وصوب. وقد جعلتنا هذه الهواجس نخاف التغير ولا نحسن التعامل مع الزمن الذي نعيشه، ونجد في الانعزال مفراً من إخفاقاتنا، فالعلاقة مضطربة وملتبسة، حيث مصدرها الحنين والعجز، فالماضي متخيل ومنقطع عن الحاضر ولا نفهم الصيرورة في التغير، فالماضي هو الذي انبنى عليه الحاضر ومن ثم هذه القطيعة في الفهم لديناميكية التاريخ جعلتنا انتقائيين واندفاعيين في التعامل مع الوهم والأساطير بدل أن يكون الواقع دافعاً للتطور. ثمة عجز عن المراكمة التاريخية التي هي حقيقة الوجود، لكنها حقيقة غائبة عن العقل العربي لأسباب ثقافية، تتعلق بدعوات النكوص وبغياب رؤية القيادة للنهوض، ولوجود هواجس خوف تغلف عقولنا برداء الهروب. بينما هناك شعوب أخرى، مثل ماليزيا وسنغافورة واليابان والهند... استوعبت حقيقة التاريخ وأجرت جراحات في نظمها التعليمية، ونجحت في المواءمة بين الأصالة والحداثة، بين المحلي والعالمي، ولم تجعل من الماضي عائقاً أمام عيش الحاضر واحتضان المستقبل. ليس هناك غير مواجهة الحقيقة والاعتراف بأن شبابنا يعيش أزمة ضياع وفقدان للأخلاق، كي لا نظلمهم، فالمجتمع بكافة فئاته غابت عنه قيم الصدق والإخلاص واستبدلها بالنفاق والرياء... فكيف لنا أن نطور وأن نصنع عقولاً مبدعة في مجتمع يشهد الانحدار الأخلاقي وتصدع القيم الاجتماعية. لم يعد التعليم يقوم بوظائفه من حيث الحراك الاجتماعي وبناء نظام القيم لبناء الدولة الحديثة، بل عمت الولاءات التقليدية التي دمرت الدافعية نحو التميز الفردي. لقد أصبح التخريب حالة شاملة، وهو نتاج لتراكمات وسياسات منهكة غير قادرة على الاستجابة لروح العصر وفهم العلة الحقيقية في التحولات الاجتماعية التي يشهدها العالم. والقطيعة مع هذا الواقع هي ما يدعو له البعض، لكنها تمثل استجابة غير واقعية لعالم يعج بالحركة ونعجز عن التفاعل معه، حيث يوجد بون شاسع بين الأجيال فرضته التقنية الحديثة متمثلة في عالم الاتصال. إن للعولمة استحقاقاتها، وهي ليست مجرد تجارة وتبادل للسلع، كما يفهمها البعض، بل هي نظام اجتماعي مفتوح، علينا أن نسهم فيه ونتفاعل معه... لكن لا يمكننا تحقيق ذلك طالما بقينا بعزلة، وفينا من يدعو إلى النكوص والعودة للماضي دون فهم للتواصل بين مراحل التاريخ.