العالم على بعد أيام من انتهاء سنة أولى من الأزمة المالية - الاقتصادية. تكثر التبشيرات بأن الوضع تحسن، بأن هناك بدايات لنهاية الركود. ليس في الولايات المتحدة - بؤرة الأزمة ومحورها - فحسب وإنما في مجمل الدول الغربية الغنية. قبل أقل من شهر، التأم شمل الدول الثماني وحاول أن يظهر صورة زاهية، إلا أنه ارتأى أن يحافظ على رزانة القول بأن تقدماً أحرز، لكن الصعب لم يمر بعد. مع ذلك، لا يملك أي رئيس دولة إلا أن يحاول لفت الأنظار إلى النصف المملوء من الكوب، لكن مواطنيه لم يعودوا يصدقون إلا ما تنبئهم به جيوبهم، وسط ارتفاع عدواني للأسعار، كما لو أن المداخيل زادت بفعل الانتعاش، فانبرى باعة كل شيء لتحصيل حقهم كما يقتضي الأمر. وبعدما استنكف المستهلكون عن شراء الكماليات، قلقاً من مفاجآت الآتي من الأيام، غدت السلع الضرورية الغذائية تحديداً هدفاً للسلب المشروع. في بلاد أوباما، لا ينفك مؤشر البطالة يواصل صعوده، لكنه مرتاح إلى أن الإجراءات التي اتخذها في بداية ولايته منعت انهياراً اقتصادياً كان يبدو وشيكاً، ولعله يدرك مثل نظرائه الأوروبيين أن تغييراً عميقاً حصل في ثقافة الاستهلاك لدى مواطنيهم، بحكم الضرورة وليس بحكم رزانة منهجية. الطبقة الوسطى والمجتمع هي التي أضيرت أكثر من سواها، والتغيير حاصل في صفوفها، كذلك البطالة وتوابعها ومتفرعاتها. وقبل أسابيع اضطر أوباما إلى تحذير \"وول ستريت\" بضرورة تغيير عادات العمل الضارية التي اعتادت عليها، فما أن اشتمت الذئاب أن بعض اللحم عاد يغلف العظام الرثة للأسواق، حتى استأنفت غرائزها ونزواتها المعروفة. وعلى رغم أن الدول الـ20 وضعت معايير للتعامل مع الأسواق والبنوك ومختلف أنواع العملاء والسماسرة كافة، فإن الجدل حول مكافآت المصرفيين لم يبد أنه مجد في ردع أحد. كيف يمكن الخروج من أزمة ارتكبت في مركز قيادة المال في العالم من دون أن يتحمل أحد مسؤولية ما حدث، وقبل أن يصبح المحتالون المبجلون كلهم وراء القضبان. القضية الآن باختصار هي أن الدولة، وهي هنا الولايات المتحدة مثلاً، ضخت عشرات من بلايين الدولارات قبل شهور لإنقاذ بنك \"جولدمان ساكس\" من الإفلاس. بعد بضعة أشهر، بدأ البنك يحقق أرباحاً، ما اعتبر من مؤشرات التحسن، ثم فجر فضيحة مستقرة عندما أعلن أنه خصص 11 بليوناً لمكافآت موظفيه لهذه السنة. أما فرنسا مثلاً، حيث حقق بنك \"بي. إن. بي\" ربحاً خلال الفصلين الماضيين بلغ 2.6 بليون يورو، وها هو يعلن أنه خصص بليوناً للمكافآت. والنماذج عديدة مبدئياً، وفقاً لقواعد العمل المتبعة، يحق للمصرفيين الذين يحققون تلك الأرباح أن يطالبوا بمكافآتهم. لكن الأرباح حققت بفضل أموال الدولة، أي أموال الناس، فهل الأولوية لإيفاء الديون للدولة أم لمكافأة الموظفين؟ ثم أن الأزمة تفجرت أصلاً فيما كان هؤلاء يكافأون، إذاً فمن المسؤول عن الانهيار؟ الدولة أم الناس أم \"السيستم\" أم البنوك؟ الدول اعترفت عموماً بجانب المسؤولية التي تقع عليها، فعلت ذلك مضطرة طبعاً، يبقى أن تتمكن من فرض المعايير التي أقرتها لمنع تكرار الكارثة. كل مواطن وجد نفسه مجبراً على المساهمة أقل أو أكثر في حلحلة الأزمة. البنوك في دول الغرب لا تبدو معنية بهذه المهمة، لكنها بنوك تتصرف بأموال العالم، ومنها العالم العربي، ومن شأنها أن تضع حداً لنهج المغامرة والتهور الذي أفقد العالم خلال بضعة أسابيع ما راوح بين 40 إلى 60 في المئة من احتياطاته المالية. وبالتالي، بات يحق لأصحاب الودائع أن يشعلوا الأضواء الحمر كلما شعروا بالخطر، فأي كارثة يمكن أن تحجب كارثة أخرى أو تمهد لها، لأن التدابير المتخذة لا تبدو وفقاً لخبراء ماليين واقتصاديين فاعلة أو كافية. بعضهم يقول إن معايير الدول الـ20 ليست سوى ثرثرة، فهي تعلم أن الأسواق تحولت أشبه بغابات متوحشة ولا بد لضبطها من إجراءات أكثر حزماً. طبعاً هناك من اتهموا وحوكموا ولايزالون ينفذون العقوبات التي أنزلت بهم، خذوا أكثرهم شهرة - برنارد مادوف - الذي بلغت احتيالاته ما يقرب من خمسين بليون دولار. كان هذا من رجال المال البارزين، ومع ذلك سجلت ضده تهمة السرقة وغسيل الأموال، عدا التجاوزات الأخرى، هناك زميله التكساسي \"آلن ستانفورد\"، الذي تبخرت ثمانية بلايين بين يديه، والفرنسي جيروم كيرفيال الذي كلف \"غباؤه\" نحو خمسة بلايين يورو. وإليكم ما هو أكثر طمأنة، ففي بداية يوليو الماضي أعلنت سلطات ضبط الأسواق المالية الأميركية أنها كشفت نحو عشرين حالة احتيال شبيهة بنموذج مادوف، لا يعني ذلك سوى أن رجال المال أحيطوا لزمن طويل بشيء من الحصانة التي مكنتهم من كل أنواع المخالفات والنزوات، متيقنين بأن \"السيستم\" في غيبوبة الأرقام الفلكية التي تحققها الأسواق. بعيداً عن الحلول والإجراءات البوليسية، لا بد للدول والحكومات أن تثبت فاعلية في الحؤول دون كارثة جديدة، وإلا فإنها ستواجه شبهة الخضوع لسلطة أعلى منها، سلطة البنوك ورجال المال. وفي المرة المقبلة، قد لا تجد احتياطاً يكفي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أي ما كان يجب تفاديه بتفعيل القوانين وتطبيقها.