بدأ العرض وأشعلت أضواء إطلاق التهم مرة أخرى في واشنطن، وهذه المرة ليس لإلغاء تعيين أحد كبار المسؤولين، وإنما لشطب قرار بمنح جائزة تقديرية! يتعلق الأمر باعتراض جماعات الضغط اليهودية الأميركية على قرار الرئيس أوباما بتكريم ماري روبنسون التي اعتبرتها "اللجنة الأميركية الإسرائيلية للعلاقات العامة" (إيباك) معاديةً لإسرائيل. وقد أعربت اللجنة عن "خيبة أمل عميقة" من قرار منح روبنسون "ميدالية الحرية"، وهي أحد أرفع الأوسمة المدنية الأميركية، ودعت الإدارةَ إلى "رفض كامل وحازم علني لآراء روبنسون حيال إسرائيل، وموقفها العلني منذ زمن طويل، والذي يضمر العداء والأفكار المسبقة حيال الدولة اليهودية". لكن من هي ماري روبنسون؟ وما هي آراؤها حيال إسرائيل؟ ومتى كانت "معادية للدولة اليهودية"؟ تُعد ماري روبنسون شخصية دولية ذات صيت وشهرة عالمية واسعين، وقد عرفت بنشاطها وآرائها الجسورة في مجال حقوق الإنسان، وسبق أن تقلدت مناصب مرموقة في بلادها وفي منظمات دولية مختلفة. فهي سابع شخص يشغل منصب رئيس المحكمة العليا في بلدها ايرلندا، وأول امرأة تتولى رئاسة الجمهورية الايرلندية، وأول سيدة تصبح مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ولدت ماري روبنسون في بلدة "مايو" بايرلندا عام 1944، لأبوين طبيبين ذوَيْ صلات بمسارات السياسة في ايرلندا. والتحقت بقسم القانون في جامعة دبلن، ثم بجامعة "كنكز إينس"، وبعدها نالت شهادة الدكتوراه في القانون في جامعة هارفارد. وإثر عودتها إلى ايرلندا، أصبحت محامية ودرَّست القانون في جامعة دبلن، وسرعان ما انخرطت في النشاط السياسي والحقوقي. وكانت خطوتها الأولى في مسار الصعود، انتخابها عام 1969 كمرشحة مستقلة لمجلس الشيوخ، وهو مقعد بقيت فيه عشرين عاماً. وفي عام 1970، تزوجت من نيكولا روبنسون الذي أخذت لقبها منه وأصبح أباً لأطفالها الثلاثة، وفي العام نفسه انضمت إلى "حزب العمال". وانتخبت في عام 1979 رئيساً لمجلس مدينة دبلن، حيث أمضت أربع سنوات دافعت خلالها عن الخيارات الليبرالية، لاسيما حق المرأة في دخول هيئة المحلفين، وموضوع شرط الاستقالة من الخدمة المدنية عند الزواج، والحق القانوني لتوافر موانع الحمل. وفي عام 1982، تم اختيارها مدعية عامة، وسرعان ما استقالت من "حزب العمال" احتجاجاً على اتفاق بين ايرلندا وبريطانيا في عهد تاتشر. ثم فاجأت الجميع عندما قررت عدم السعي لإعادة انتخابها لعضوية البرلمان عام 1989. لكن بعد عام واحد بدأ قادة الحزب يتقربون منها، فوافقت على أن تصبح أول امرأة يرشحها العماليون لانتخابات الرئاسة الايرلندية. وكان سبب اختيارها وجود خلافات داخل الحزب، علاوة على شيخوخة كثير من قادته. وهكذا، أصبحت ماري روبنسون، في ديسمبر 1990، سابع رئيس لايرلندا. ورغم بروتوكولية المنصب، فقد استطاعت أن تبعث فيه الحياة من جديد، حيث تواصلت مع الجاليات الايرلندية في الخارج، وغيرت وجه العلاقات الايرلندية البريطانية، وأصبحت أول رئيس لايرلندا يزور الملكة آليزابيت الثانية في قصر باكنجهام، كما استقبلت في دبلن كبار أعضاء العائلة المالكة البريطانية. ولم تشأ روبنسون الترشح لولاية رئاسية ثانية، بل استقالت قبل أربعة أشهر من نهاية ولايتها الأولى، لتتسلم منصبها الجديد في الأمم المتحدة. فقد اختارها أمين عام الأمم المتحدة مفوضاً سامياً لحقوق الإنسان، بغية إعطاء المنصب الجديد صفة الدفاع عن المبادئ وبناء النماذج التوافقية، بدلاً من الصفة البيروقراطية الجامدة. وخلال عملها كمفوضة لحقوق الإنسان بين عامي 1997 و2002، انتقدت العديد من سياسات الدول الكبرى، وكانت أول مفوض لحقوق الإنسان يزور إقليم التبت، كما عارضت السياسة الأوروبية في مجال الهجرة، وانتقدت استخدام عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة. وفيما رفضت الترشح لولاية ثانية، فقد قبلت مطالبة عنان لها بالبقاء سنة إضافية في منصبها لتترأس مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية في دوربان عام 2001، ذلك المؤتمر الذي أثار غضب إسرائيل والولايات المتحدة والمنظمات الصهيونية. حدث ذلك رغم أن روبنسون، مدعومة ببيروقراطية الأمم المتحدة وبدعم غربي واسع، حاولت منع إدراج الموضوعات المتعلقة بالصهيونية والدولة العبرية والرق والتعويضات والاعتذار لأفريقيا، في جدول أعمال المؤتمر. وإن نوقشت هذه الموضوعات، فإن بيان المؤتمر لم يتضمن ما أرادته الأغلبية، تنازلا من الأخيرة لقطع الطريق على تل أبيب وواشنطن اللتين أرادتا أخيراً إفشال المؤتمر. لكن إسرائيل وأنصارها خرجوا من دوربان ساخطين على روبنسون التي قيل في الجانب الآخر إنها "تآمرت على صوت الأغلبية" مقابل وعد بتنصيبها أميناً عاماً للأمم المتحدة بعد انتهاء ولاية عنان الثانية! إلا أن مفوضية حقوق الإنسان اعتمدت تقريراً أصدرته "هيومن رايتس ووتش" في مايو 2002 حول جرائم حرب اقترفتها إسرائيل في مخيم جنين، وقالت روبنسون نفسها إنه يتصف بالصدقية وإن فيه من الحقائق ما يثير القلق. لكن بعد تركها الأمم المتحدة، فلم ينقل عن روبنسون أي نقد لإسرائيل، بل ركزت على القضايا الإنسانية بصفة عامة، لاسيما قضايا المرأة والعالم النامي، حيث أسست مبادرة باسم "عولمة أخلاقية"، وهي مبادرة تدعو إلى تجارة عالمية عادلة، ولوضع سياسات جديدة حول الهجرة السرية، ولدعم برامج مكافحة الإيدز. وقد لقيت ماري روبنسون اعترافاً واسع النطاق بجهودها في المجال الدولي، وتم تنصيبها في عام 2004 "سفيراً للضمير" لمنظمة العفو الدولي، كما أصبحت الرئيس الشرفي لمنظمة "أوكسفام إنترناشيونال". ومن مقر إقامتها الحالي في نيويورك، تسافر روبنسون إلى جميع أنحاء العالم؛ للمشاركة في أنشطة حقوقية وإلقاء محاضرات. لكن ذاكرة أصدقاء إسرائيل احتفظت لروبنسون كونها لم تؤيد بالمطلق أعمال الاحتلال والاستيطان وتدمير المدن وتقتيل المدنيين، وممارسات إسرائيلية أخرى جدت بعد ذلك... ليقفوا لها بالمرصاد وهي تتأهب هذا الأسبوع لتسلُّم وسام تقدير أميركي، كما تسلمت أوسمة أخرى في السابق وفي دول متعددة! محمد ولد المنى