مرت قبل أيام الذكرى التاسعة عشرة لغزو عراق صدام في الثاني من أغسطس 1990 لدولة الكويت، ولا يبدو أن تعاقب السنين على ذلك العدوان بما تركه من آلام حاضرة في الذاكرة الجمعية للكويتيين والعرب معاً، يجعل وقع الذكرى ومرارة الألم أقل وطأةً، وذلك لأن تلك المأساة شكلت لحظة فارقة وحدثاً مفصلياً في الواقع الكويتي والعربي، حيث تسببت في المزيد من التفتيت والتشرذم وكرست عصر الوهن العربي. ذلك أن جردة التداعيات كانت خطيرة ومتفاقمة وأحدثت زلزالاً مدمراً أصاب الكويت والمنطقة العربية في الصميم، ومن أبرز تلك التداعيات خروج العراق وهو القوة العربية الموازنة لإيران في منطقة الخليج العربي الاستراتيجية من معادلة الأمن الإقليمي، مما أدى إلى خلل استراتيجي تكرس مع إسقاط النظام البعثي. وتمثل ذلك في تجليات عديدة أخرى منها احتماء النظام العربي الضعيف بالقوى الأجنبية مضطراً ومرغماً، ولاحقاً الاحتماء بأميركا من مغامرات ومشاريع القوى الإقليمية الكبيرة، من مشروع إيران الإقليمي إلى هوس إسرائيل بالتفرد بالاحتكار النووي، ومن عراق مفتت مازال قيد التشكل على خطوط الصدع الطائفي والعرقي والمذهبي، ويعاني باستمرار تجاذباً حاداً بين أدوار وصراعات الداخل وتدخل ورهانات الخارج. وكل ذلك يبقي الكويت والمنطقة في وضع قلق، وسط مخاوف من تصدير الكثير من مشاكل ومخاض العراق إلى بقية المنطقة، خاصة مع بدء الانسحاب العسكري الأميركي خلال الأشهر القادمة. وليست ثمة حاجة الآن لإعادة التذكير أيضاً بالعجز الاستراتيجي في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث فشل المجلس في أن يحقق اكتفاءه الأمني خلال عقدين مرا بعد أزمة الكويت، ومن ثم يستمر اعتماده على الأمن المستورد و"الاتفاقيات الأمنية" مع الولايات المتحدة الأميركية والقوى الفاعلة الأخرى في مجلس الأمن، وتستمر عسكرة قدراتنا المسلحة بصفقات بالمليارات. وكذلك تطوير العلاقة الأميركية مع البحرين والكويت إلى تحالف استراتيجي من خارج حلف "الناتو"، ومبادرة إسطنبول مع الحلف لتطوير القدرات الأمنية والعسكرية للدول المعنية، وصولاً للنظر في امتلاك برامج نووية للأغراض السلمية. وعلى رغم ذلك كله لم تنجح دولنا في تشكيل قوة إقليمية مؤثرة توازن القوى الإقليمية الأخرى في العراق وإيران وإسرائيل. ومع مرور الوقت يزداد رهان التوازن صعوبة، من عراق تسلحه أميركا بأسلحة حديثة بالمليارات من طائرات F16 ودبابات "أبرامز" ليكون قوة تعادل إيران بعد الانسحاب الأميركي، ومن إيران ومشروعها النووي وتهديداتها المتكررة بضرب مدننا والقواعد الأميركية في المنطقة، وبإغلاق مضيق هرمز وضرب المفاعل النووي الإسرائيلي. ومن إسرائيل المصممة على إجهاض البرنامج النووي الإيراني بأي ثمن وصولاً لضربات عسكرية مشكوك أصلاً في جدواها، ومؤكدة تداعياتها المدمرة على أكثر من صعيد. وفي مثل هذا الزخم الإقليمي المزحوم بالمخاطر، تطلب وزيرة الخارجية الأميركية أيضاً مد المظلة الأمنية الأميركية على منطقة الخليج، ضمن مبادرة لم نفهم ماذا تعني؟ وليس التطور الأخطر ضمن جميع تداعيات الاحتلال العراقي للكويت هو ضرب التضامن العربي الذي فرغنا منه بعد أن تحول إلى شعارات فارغة منذ احتلال فلسطين واجتياح بيروت وضياع المشروع العربي إلى آخر تفاصيل التيه أمام مشاريع وأطماع اللاعبين الكبار والإقليميين الذين سعوا لتحقيق مشاريعهم وأهدافهم على حساب انقسامنا واقتتالنا فيما بيننا. ومنها تقسيم العرب لاحقاً إلى معتدلين ومقاومين، ومصادرة حقوق العرب، واختطاف قضايانا وأبرزها القضية الفلسطينية التي تتقدم إيران على العرب في ادعاء تبنيها والدفاع عنها، وتستخدمها هي و"القاعدة" للتكسب السياسي والشعبي من ورائها. ثم جاءت ثالثة الأثافي بظهور قوى إقليمية، من غير الدول، تُدعم وتُمول من طرف قوى خارجية تستخدمها بطرق مختلفة وتحت شعارات فضفاضة كـ"المقاومة" والتصدي لأهدافها ومشروعها. والمؤلم أكثر الآن في المشهد العربي، ومنه الكويتي- العراقي، هو الاستمرار في التمسك بالماضي بكل مراراته وآلامه، من خلال غياب الثقة وتكرار خطاب "التخوين" بين الأطراف المعنية. وبكل أسف، لم ننجح في بناء الثقة والبدء على طريق الصفح لدفن الهواجس وتطييب الخواطر. ولا حاجة هنا للتذكير بمواقف الكويتيين الثابتة تجاه وحدة وسيادة واستقرار العراق، وفي سياقها يأتي تأكيد المسؤولين الكويتيين بأن "يقوم الإخوة في العراق بتنفيذ مجموعة من القضايا على رأسها ملف ترسيم الحدود؛ لأنه لا تزال هناك تعديات عراقية على الحدود". والمهم بالنسبة للكويت ولنا ككويتيين أننا نتطلع إلى جار عراقي آمن ومستقر، لا يهددنا ولا يسعى للهيمنة والإخلال بالأمن والاستقرار في المنطقة. وفي مسعى لبناء الثقة مع العراق، أكد وزير الخارجية الكويتي أن الكويت: "حريصة على دعم الاستقرار السياسي والأمني في العراق. وأن يكون العراق داعماً للأمن في المنطقة"؛ لأن الفلسفة الكويتية ترى أن عراقاً آمناً ومستقراً هو ضمانة لأمن واستقرار الكويت والمنطقة. واللافت في هذه الذكرى هو تردي وتراجع العلاقة بين الكويت والعراق، على خلفية مساعي العراق للخروج من استحقاقات والتزامات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حول الحدود والتعويضات والأسرى والشهداء والأرشيف الوطني الكويتي. والأهم من ذلك كله طمأنة الكويت حول نوايا ومستقبل العلاقة بين البلدين. وثانياً سعي العراق لإلغاء نسبة الاستقطاع السنوي من عائدات النفط العراقي لتغطية التعويضات التي سببها الاحتلال العراقي والتدمير والنهب والتخريب المتعمد لقطاعات النفط والبنية التحتية والدمار الهائل الذي لحق بالبيئة، وكلها التزامات قدرتها الأمم المتحدة -مع تعويضات لدول وأفراد من عشرات الدول- بأكثر من 43 مليار دولار، سدد العراق منها ما قيمته 27 مليار دولار، 24 ملياراً منها مستحقة للكويت بالإضافة إلى 16 ملياراً قيمة الديون المستحقة للكويت على العراق. وقد أصدر أمين عام الأمم المتحدة تقريراً عن واقع العلاقة بين الكويت والعراق. أكد فيه أنه: "على رغم التقدم الذي أحرزه البلدان لحل بعض القضايا العالقة بعد عقدين من الغزو (العراقي) لم يتم تطبيع العلاقة بشكل كامل (بين البلدين) والمطلوب درجة كبيرة من الإرادة السياسية بين البلدين لتحقيق التطبيع الكامل". والسبب هو الهواجس والمظالم والمخاوف عند كل واحد من الطرفين حول الطرف الآخر، وهي هواجس مازالت بحاجة إلى مواجهة جادة وطمأنة حتى تُؤسس لعلاقة لا تغرق في متاهات الماضي الذي يكبلها ويمنعها من أن تنطلق نحو مستقبل أوسع من التنمية والشراكة. وهناك قضايا للكويت خاصة من قبيل ملف الشهداء والأسرى والحدود والتعويضات والديون مازالت بحاجة إلى معالجة جذرية لتطمئننا إلى نوايا النظام العراقي. وقد تم التعرف إلى رفات 236 كويتياً ومازال 369 أسيراً كويتياً آخرين مجهولي المصير. وعلى العراق طمأنة الكويت حول تلك الاستحقاقات. إن غياب عوامل وأجواء الثقة بين الكويت والعراق، وعدم تحقيق مصالحة حقيقية بين القوى العراقية المتناحرة في الداخل العراقي لا يؤسسان لمستقبل واعد. وبالتالي، فلن يتم طي صفحة المظالم والماضي المضطرب بين البلدين. ولن تنتهي هواجس الكويتيين والخليجيين وبقية أبناء المنطقة، ولذلك للأسف سنبقى في المراوحة غير المجدية، ونعود عاماً بعد عام لنشهد تداعيات تلك الخطيئة المستمرة.