اختار مهرجان "أصيلة" المتألق موضوع الأبعاد الثقافية للمشروع المتوسطي مادة للحوار في موسمه الحالي، بحضور جمع من أبرز الخبراء والسياسيين والكُتاب الأوروبيين والعرب. وعلى الرغم من كثرة اللقاءات التي التأمت بعد إعلان مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط"، الذي اقترحه الرئيس الفرنسي ساركوزي، إلا أن الجانب الثقافي نادراً ما حظي باهتمام حقيقي. ومن هنا يحسب للوزير النابه "محمد بن عيسى" المشرف على المهرجان اختيار هذا الموضوع المحوري. وقد بدا لي من تجربة طويلة في الحوارات المتوسطية منذ انطلاقة مسار برشلونة في مطلع التسعينيات أن هذه الحوارات سلكت في الغالب ثلاثة اتجاهات هي في الواقع رؤى متغايرة للفكرة المتوسطية: - اتجاه الشراكة الاقتصادية، انطلاقاً من مسلمة بسيطة تتلخص في المزايا المشتركة المترتبة على الجمع بين الرأسمال العربي وما يرتبط به من سوق استهلاكية واسعة والتكنولوجيا الأوروبية، وما يرتبط بها من صناعة متقدمة. - نهج الشراكة الإستراتيجية التي تتمثل في حاجة الفضاء الأوروبي إلى تأمين مجاله الحيوي الجنوبي، الذي يتداخل معه عضوياً في مستويات عديدة، لا تحتاج للبيان. - المقاربة الثقافية التي تنحصر عادة في مسائل الحوار الديني، أو رصد مكونات صورة الآخر في الوعي والمخيال، مما يهم المختصين في الآداب والاجتماعيات أكثر من الساسة الماسكين بمراكز القرار. عندما برز المشروع المتوسطي في صيغته الأولى "حوار خمسة زائد خمسة" (بلدان المغرب العربي وبلدان جنوب أوروبا)، كانت المقاربة الاقتصادية هي السائدة، في حين شكلت الرؤية الإستراتيجية الأفق الناظم لمبادرة "برشلونة" في مرحلة انتشرت فيها الأدبيات الاستشرافية لشكل "النظام الدولي الجديد". أما المقاربة الثقافية التي سادت بقوة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، فقد كانت في الواقع تعبيراً عن المأزق الواسع الذي نجم عن هذا الزلزال من حيث صورة الإسلام والثقافة الإسلامية في الساحة الغربية. والمفارقة الجلية أن مشروع ساركوزي الذي أعلن عنه في خطابه الأول إثر إعلان فوزه في انتخابات 2007 بدا بعيد الطموح في سياق وصلت العلاقات بين ضفتي المتوسط إلى الحد الأقصى في منعرج التردي. فالنموذج الذي أراده ساركوزي للبناء المتوسطي هو النموذج الاندماجي الأوروبي، وإن كانت المقترحات العملية التي أفضى إليها المشروع لم تتجاوز برامج تعاون فنية محدودة. وقد سألت مرة شخصية فرنسية مرموقة قريبة من مركز القرار: "لماذا تبنى ساركوزي فكرة الاتحاد المتوسطي، وهو الذي عرف بقراراته المتشددة بشأن الهجرة، وبوقوفه ضد انضمام تركيا للمنظومة الأوروبية، كما أنه هو من أنشأ وزارة للهوية القومية وطبق جانباً كبيراً من برنامج اليمين المتطرف؟". رد علي محاوري بالقول: "الواقع أن ساركوزي لم يطمح يوماً إلى اتحاد متوسطي بالمعنى الاستراتيجي الحقيقي، وإنما أراده على العكس حاجزاً فاصلاً بين الضفتين، يسمح من جهة بحل المعضلة التركية خارج الإطار الأوروبي، ويسمح من جهة ثانية باحتواء إشكالات الهجرة والتطرف ضمن نسق أمني فعال مشترك". لا تنسجم إذن المشاريع المتوسطية المطروحة مع الأفق الثقافي للحوار الذي ننشده. ولذا يتعين إخراج الفكرة المتوسطية من حسابات الساسة ورهانات الحدث، لتلمس سبل التفكير الجاد حول المدخل الثقافي للحوار المتوسطي. في هذا السياق، يفرض مؤرخ المتوسط الكبير "فرنارند بروديل" نفسه، وهو الذي ينبهنا إلى "أن المتوسط ليس بحراً وإنما هو بحور متتابعة، وليس حضارة وإنما حضارات متتابعة متراكمة بعضها على الآخر". فالوعي بالطابع الاختلافي للهوية المتوسطية شرط ضروري لدفع الحوار الثقافي بين ضفتي المتوسط، شأنها شأن الهوية الأوروبية نفسها، التي يراد اليوم اختزالها في المقوم الديني الموروث (التقليد اليهودي - المسيحي) إقصاء للمكون الإسلامي الحاضر بقوة في النسيج الأوروبي (تفسر مصاعب الانضمام التركي للاتحاد في هذا السياق). فالمدخل الثقافي للحوار المتوسطي يتطلب إذن بلورة نموذج نظري لصياغة المشروع الاتحادي من حيث هويته الاختلافية، بدلًا من اختزاله في خطط وبرامج تنموية وأمنية مشتركة محدودة، في الوقت الذي تتجذر فيه الإجراءات القانونية والإدارية للفصل الحاسم بين الضفتين. وكان الفيلسوف الفرنسي الراحل "بول ريكور" قد قدم لنا في نص مهم يعود لسنة 1992 عناصر هذا النموذج من خلال مداخل نظرية ثلاثة طبقها على المجال الأوروبي في تنوعه الديني والثقافي، نرى أنها صالحة للتطبيق على الفضاء المتوسطي بكامله. وهذه المداخل هي باقتضاب: - مدخل الترجمة: ليس بمعنى مجرد النقل من لغة لأخرى، وإنما من منطلق "المبدأ الكوني للقابلية للترجمة"، الذي يكرس في آنٍ واحدٍ الواقع الاختلافي للهويات الثقافية وقدرتها على التواصل والتعبير عن قيم مشتركة. إنها الحالة التي يعبر عنها ريكور بمقولة "الضيافة اللغوية". - مدخل تبادل الذاكرات: فالذاكرة هي دوماً سجل الأحقاد الموروثة عن الماضي، ومن ثم تشكل عائقاً أمام التواصل والحوار، على الرغم أنها تسجل في الراهن أحداثاً تعود للتاريخ المنقضي. ولذا يتعين على كل طرف إعادة قراءة ماضيه بعيون الآخر لاكتشاف الثراء الرمزي للمغاير المختلف، خروجاً بهوية سردية جديدة. ويلاحظ "ريكور" أن الماضي يعيش في الذاكرة بفضل سهام المستقبل التي لم تطلق فتوقفت حركيتها. ومن ثم، فإن حوار الذاكرة والسرد يمكن أن يقضي إلى تحقيق هذه الإمكانات التاريخية المجهضة. - مدخل العفو الذي يختلف عن مقولة "التسامح" التي استهلكت كثيراً في الآونة الأخيرة. والفرق بين المقولتين هو أن التسامح مبدأ عقدي وأخلاقي يؤطر السلوك، في حين أن العفو يسمح بإقرار الحقيقة وضمان العدل ومقاضاة الجريمة، لكن في أفق التجاوز، لبناء المستقبل على أسس جديدة. فلا معنى للسكوت عن تركة الاستعمار وجرائم الاحتلال وإرث الحروب الصليبية، ومع ذلك لا مناص من تجاوز هذا الماضي المؤلم لمد جسور المستقبل، وعندئذٍ يصبح من المتاح أن نعيد خلق تراث تعددي ضمن فضاء حضاري واحد. قال مرة الكاتب والأديب الفرنسي المشهور "بول فاليري" إن البحر المتوسط "ماكينة حقيقية لصناعة الحضارة". وإذا كان "فاليري" يعني الماضي، فإن حكمه يصلح أيضاً للمستقبل.