خلال نهاية الأسبوع الماضي، عمل البيت الأبيض على تسريب أنباء عن نيته تشييد، أو تجديد، مجمع سجون ومحاكم سواء في ولاية كنساس أو ميتشجان لاستخدامه في سجن ومحاكمة الأفراد المشتبه في ارتباطهم بالإرهاب، والموجودين حالياً في معتقل "جوانتانامو". وقد جاء هذا التسريب عقب الأنباء التي نشرت الأسبوع الماضي، ومؤداها أن وزارة العدل تعيد في الوقت الراهن تقويم عشرات من القضايا الخاصة بمعتقلي "جوانتانامو"، لمعرفة ما إذا كانت الحاجة ستستدعي محاكمة المزيد من المتهمين في المحاكم الأميركية بموجب القانون الجنائي الفيدرالي. وهذان التطوران منطقيان تماماً، وعمليان إلى أقصى حد، ويتماشيان أيضاً مع الوعد الذي قطعته إدارة أوباما على نفسها بإغلاق معتقل "جوانتانامو" بنهاية هذا العام، وعلينا أن نتذكر في هذا السياق، أن إغلاق هذه القاعدة منذ أربعة أعوام فحسب كان هدفاً يتبناه الحزبان الرئيسيان في أميركا ولم يكن يعارضه سوى حفنة من الإيديولوجيين المتعصبين في كلا الحزبين. أما في الوقت الراهن، الذي نواجه فيه عملياً خيارات سياسية وأخلاقية مطلوبة من أجل إغلاق "جوانتانامو"، فإن السياسيين جميعاً يسعون من أجل تأمين غطاء لمواقفهم. ولكي نفهم ذلك، يمكننا أن نأخذ حالة السيناتور "سام براونباك" وهو "جمهوري"، فهذا السيناتور المخضرم هلل مثلنا جميعاً عندما أخبرنا الرئيس السابق بوش عام 2001، بأننا سنكون بحاجة إلى بذل التضحيات من أجل كسب الحرب على الإرهاب. وأما الآن، فقد أصبح هذا السيناتور يتخذ موقفاً مختلفاً تماماً، حيث يعمل على تحذير كل من يراه، من أن إغلاق معتقل "جوانتانامو" هو إجراء خاطئ تماماً، وأنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال تفريغ المعتقل من نزلائه، أو التفكير في نقلهم إلى قاعدة "فورت ليفنوورث" في أميركا؛ لأن ذلك سيكون أمراً في غاية الخطورة. وفي تصريح أدلى به الاثنين الماضي، قال "براونباك": "نحن لسنا بحاجة إليهم هنا، صحيح أنهم يجب أن يعاملوا بإنسانية وعلى نحو يحفظ لهم كرامتهم ولكن يجب ألا يتم ذلك هنا". إن هذا الموقف هو المعادل في حالتنا هذه لتلك الذهنية التي تقول: "يمكن لأي شيء أن يتم، ولكن بشرط أن يكون ذلك بعيداً عن فنائي الخلفي"، والتي كانت تحبط دائماً حل القضايا الشائكة في الولايات المتحدة لعقود طويلة. وينبغي أن نأخذ في اعتبارنا هنا أن المعتقلين في "جوانتانامو" بشر، وأن ما تبقى من أعمار معظمهم ليس أكثر مما عاشوه. لقد تم التحقيق مع عدد كبير للغاية من الإرهابيين وإصدار أحكام عليهم بموجب القانون الفيدرالي الجنائي، سواء قبل الحادي عشر من سبتمبر أو بعده. ومن بين هؤلاء إرهابيون على مستوى من الخطورة مثل "زكريا موسوي" و"ريتشارد ريد" و"جوزيه باديلا" و"رمزي يوسف" و"أحمد رسام" ناهيك عن الإرهابيين المحليين مثل "تيري نيكولاس"، و"تيد كازينسكي". وإذا ما تم تحويل معتقلي "جوانتانامو" إلى" كانساس"، فإنها لن تتحول إلى ساحة معركة تماماً مثلما أن كولورادو لم تتحول إلى مسرح للمذابح منذ تلك السنوات التي تم فيها إرسال المدانين بالإرهاب إلى السجن الفيدرالي "سوبر ماكس" الموجود هناك، والذي يطبق فيه أشد الإجراءات الأمنية صرامة. لقد قمت بإجراء جولة في سجن "سوبر ماكس"، وأتحدى أي شخص من الأشخاص الذين فعلوا مثلي أن يدعي أن هذا السجن أو أي سجن مشابه لا يستطيع وبأمان تام احتواء مساجين إلى أن تنتهي حياتهم، أو يتم نقلهم إلى مكان آخر، أو يتم الإفراج عنهم. لقد آثر السيناتور "بروانباك" استخدام تكتيك التخويف، بيد أن السؤال الذي يخطر على ذهن المرء هنا هو: ما هي الأدلة الملموسة الموجودة بحوزته، والتي تثبت أن المعتقلين الذين سيتم تحويلهم إلى كنساس أو إلى أي مكان آخر في أميركا سيجعلونه أقل أمناً؟ وبشكل أكثر تحديداً، ما الذي يدعوه للاعتقاد بأن الإبقاء على معتقل "جوانتانامو" كمعتقل مخصص للمشتبه بعلاقتهم بالإرهاب يمثل بديلاً أفضل من توزيعهم على مجموعات ونقلهم إلى ولايات مختلفة لاستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بهم؟ وعلينا أن نتذكر هنا أننا لا نتحدث عن "خالد شيخ محمد" أو "رمزي بن الشيبة" وغيرهما من كبار الإرهابيين، وإنما نتحدث عن مجموعة من الأشخاص اعتاد معظمهم أن يكون مقوداً وليس قائداً أو مخططاً. لقد حان الوقت كي يكون "براونباك" رجل دولة بالمعنى التقليدي للكلمة، أي رجلاً يضع التعصب وضيق الأفق جانباً من أجل بلاده. ويجب عليه كذلك أن يتوقف عن تخويف قاعدته الانتخابية وجعل أفرادها يشعرون بأن السماء ستنطبق عليهم إذا ما جاء بعض المساجين إلى ولايتهم؛ لأن هناك بالفعل في سجون تلك الولاية مساجين أكثر خطورة وأكثر إجراماً من هؤلاء الموجودين في "جوانتانامو". ويجب عليه بدلاً من ذلك أن يستخدم مهاراته الخطابية المتفوقة لإقناع أبناء ولايته بأنه إذا كان الأمر سيستدعي نقل هؤلاء المعتقلين إلى مكان آخر غير "جوانتانامو"، فإن ذلك النقل ينبغي أن يكون إلى ولاية تقع في قلب أميركا مثل ولايته التي تتمتع بتقاليد عريقة في استقبال المساجين الخطيرين. إن البيت الأبيض في عهد أوباما، يحاول كما حاول في عهد بوش، أن يحل المشكلة التي يمثلها وجود معتقل "جوانتانامو" باعتباره رمزاً للتجاوز الأميركي، وهو ما يفرض عليه أن يعمل الآن بالتعاون مع وزارة الدفاع ووزارة العدل على الدفع في هذا الاتجاه. ولكي يتحقق هذا، فإن على المشرِّعين الذين يعارضون ذلك أن يتنحوا عن الطريق. أندرو كوهين ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كبير المحللين القانونيين في شبكة "سي بي إس" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"