ثلاثة تيارات تتجاذب في طهران... ولعبة أميركية معقدة في بيونج يانج ----------- استمرار التجاذب بين التيارات الثلاثة الرئيسية في المشهد السياسي الإيراني، والذكرى الأولى للحرب الروسية- الجورجية، واستفادة إدارة أوباما من دبلوماسية عائلة كلينتون، ثلاثة موضوعات دولية استقطبت اهتمام كُتّاب افتتاحيات وصفحات رأي الصحف الفرنسية. ------------ الأزمة الإيرانية... مآلات التجاذب: في افتتاحية كتبها فرانسوا سيرجان في صحيفة ليبراسيون، قال إن ثمة عاملين جديدين اتسمت بهما أزمة ما بعد الانتخابات الإيرانية الأخيرة يرجح أن يكون لهما أثر محسوس، فيما سيؤول إليه التجاذب، هما انضمام شريحة متنامية من رجال الدين إلى القوى المعارضة، والانخفاض المستمر لأسعار النفط، وهذان العاملان ستكون لهما تداعيات سلبية على قدرة النظام على احتواء خصومه السياسيين الداخليين من جهة، وكذلك على فرص الاستجابة لتطلعات الشرائح الأكثر فقراً من السكان من جهة أخرى. ومن ثم يتوقع الكاتب أن تستمر أنشطة القوى المناهضة للحالة القائمة. وفي سياق متصل، عنون الكاتب ألكسندر أدلر مقاله التحليلي الأسبوعي في صحيفة لوفيغارو: \"خصومة إيرانية\"، وركز فيه على ما اعتبره خلفيات للصراع القائم الآن بين ثلاثة تيارات ما فتئت تشكل أهم مكونات المشهد السياسي الإيراني منذ عقود مديدة، وهي القوى الليبرالية الديمقراطية، وقوى الدولة والطموحات القومية، والقوى الدينية الحاكمة. ويعتبر أدلر أن التيار الليبرالي الديمقراطي يريد تطبيق المعايير الديمقراطية كقاعدة حاكمة في المشهد السياسي الإيراني، وهو ذاته التيار الذي ظلت علاقات الشد والجذب قائمة بينه وبين الحكم الديني وفق نظرية \"ولاية الفقيه\" في عهد ما بعد الثورة، ويمثله الآن المرشح الخاسر مير حسن موسوي وأنصاره. وأما التيار الوطني القومي، فهدفه تعزيز مكانة الدولة وتأثيرها الإقليمي، وقد بلغ ذروته في عهد الشاه، وإن كان اجتذب بعد فترة من اندلاع الثورة بعض أجنحة التيارين الديني والليبرالي، ويمثله الآن خاتمي وبعض رجال الدين الأكثر انفتاحاً وإصلاحية. وهنالك أخيراً التيار الديني المحافظ، وهو الأكثر راديكالية في دفاعه عن \"ولاية الفقيه\" وحكم رجال الدين، وهو التيار الممسك بمقاليد الأمور الآن في طهران. وينتهي الكاتب إلى أن التاريخ الإيراني منذ بداية القرن العشرين يخبرنا بأنه كلما اتحد تياران سياسيان كبيران ضد نظام الحكم، كلما أدى ذلك إلى مخاض جديد. وقد وقع ذلك بتحالف التيارين القومي والديني ضد التيار الليبرالي مما أدى لسقوط نظام مصدق في الخمسينيات، ووقع ثانية بتحالف التيارين الليبرالي والديني (ومعهما بقايا اليسار) ضد التيار القومي (الشاه) فأدى ذلك لنجاح الثورة الإيرانية نهاية السبعينيات. وما نراه الآن، هو تحالف متنامٍ بين التيارين القومي الوطني (أنصار خاتمي ورفسنجاني) والليبرالي الديمقراطي (أنصار موسوي) ضد التيار الديني المحافظ (أنصار الرئيس نجاد). عام على حرب جورجيا: مناسبة مرور سنة على الحرب الروسية- الجورجية، التي تزامنت مع تصعيد إعلامي بين الطرفين، دفعت معظم الصحف الفرنسية لاستعادة أجواء تلك الحرب، ومساءلة أسبابها ونتائجها. وبالمناسبة ذاتها، جاءت افتتاحية كتبها بيير روسلين في صحيفة لوفيغارو، قال فيها إن موسكو لم تمتثل لمقتضيات اتفاق وقف إطلاق النار، كما أنها تستمر في تحدي الغرب بوقوفها مع \"استقلال\" أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن جورجيا، وهو موقف لم يلقَ أي اعتراف عالمي، ولعل تأييد دولة نيكاراجوا وحدها لهذا \"الاستقلال\" يعطي فكرة عن محدودية، إن لم يكن عزلة دولة إمبراطورية مثل روسيا، على الصعيد العالمي. ويبقى النجاح الروسي الوحيد تقريباً، لجهة تحقق الهدف الحقيقي الذي اندلعت من أجله الحرب، هو صد جورجيا عن نيل عضوية حلف شمال الأطلسي \"الناتو\"، بعدما تمكنت فرنسا وألمانيا من إقناع بوش بعدم الاندفاع في هذا الاتجاه وذلك خلال قمة \"الناتو\" في بوخارست 2008. ومثلما أن بوش لم يفعل شيئاً كبيراً لمساعدة جورجيا، فإن الموقف الحقيقي لإدارة أوباما الحالية مازال يلفه الغموض هو الآخر، وإن كانت زيارة نائب الرئيس \"جو بايدن\" مؤخراً لتبليسي حملت دعماً لفظياً لا يقدم ولا يؤخر. وهذا موقف مفهوم، فالمساعدة الكلامية لرفع العتب لا تعني بالضرورة الاستجابة لمطالب جورجيا بدعم عسكري؛ لأن واشنطن تعرف جيداً أن استفزاز موسكو في حدائقها الخلفية أو ما تسميه جوارها القريب سيجر رد فعل قوياً ضد الأميركيين، أقله عدم التعاون معهم في ملفات أخرى أكثر حساسية مثل إيران وأفغانستان. وفي ختام افتتاحيته، وجه الكاتب نقداً لاذعاً لسياسة الرئيس الجورجي ساكاشفيلي المدمرة التي تكشَّفت إدارتها وتسببها في النزاع العام الماضي عن صافي خسائر لبلاده، هو ما أدى بالمعارضة هناك للمطالبة بتنحيه. ولا أمل لتلك الدولة القوقازية الصغيرة، قبل تعزيز الممارسة الديمقراطية فيها؛ لأن ذلك هو الشرط الأول لتبنيها من قبل الولايات المتحدة وأوروبا. شكراً بيل كلينتون: تحت هذا العنوان جاءت افتتاحية لإيف تريَّار، في لوفيغارو، حلل فيها دلالات الزيارة التي أداها الرئيس الأميركي الأسبق هذا الأسبوع إلى كوريا الشمالية، والتي تمكن خلالها من تحرير الصحفيتين الأميركيتين اللتين كان محكوماً عليهما في بيونج يانج بالسجن والأعمال الشاقة لمدة 12 سنة. ومع أن الإدارة الأميركية قالت إن كلينتون لم يكن يحمل أية رسالة من طرفها للرئيس \"كيم يونج إيل\" إلا أن الأقرب إلى التصور هو أن للإدارة يداً في هذه الزيارة. والأرجح أن البيت الأبيض دخل الآن في لعبة بالغة التعقيد مع كوريا الشمالية، تؤشر إلى بداية تغيير محسوس للمقاربة الأميركية التي كانت ترفض كل أشكال الاتصال المباشر مع نظام \"كيم\" على خلفية تجاذبات ملفه النووي. ولا شك في أن هذه النقلة الأميركية المفاجئة على رقعة اللعبة الكورية ستلقى تأويلات عديدة في موسكو وبكين. ووراء لعبة الوجه والقناع، في هذه الزيارة، تقف أيضاً دلالات الدرس السياسي العميق والأهم الذي ضربته أميركا للعالم من خلالها. فقد أثبتت الطبقة السياسية الأميركية أن المصالح القومية العليا ينبغي أن تكون فوق الضغائن والاعتبارات الشخصية، ولا أدل على ذلك من انخراط الزوجين كلينتون الآن في خدمة دبلوماسية أوباما، \"بيل\" من خلال مثل هذه الزيارة التي يصب نجاحها في النهاية في خانة الرئيس أوباما، وزوجته \"هيلاري\" من خلال عملها بهمة على رأس وزارة الخارجية. هذا مع أن بيل وهيلاري كانا خلال الانتخابات التمهيدية قد بالغاً في انتقاد أوباما، بشكل ظن كثيرون معه ألا رجعة للتعاون الحزبي بين الطرفين بعد ذلك. وأخيراً، دعا الكاتب الطبقة السياسية الفرنسية للاستفادة من هذا الدرس الأميركي، من خلال تجاوز الضغائن الشخصية، والتخفف من أثقال الذاكرة المريرة، خاصة عندما تكون خدمة المصلحة العامة رهناً بذلك. وفي سياق مقارنة إيجابيات أميركا أوباما مع سلبيات فرنسا ساركوزي، كتب ميشل غوييّو أيضاً افتتاحية في صحيفة \"لومانيتيه\" قارن فيها بين مساعي أوباما والقوى التقدمية الأميركية لتمرير قانون توفير التغطية الصحية لعشرات الملايين من الأميركيين في مقابل مساعي اليمين الفرنسي للتضييق على الشرائح الفقيرة في المستشفيات العامة، بدعوى إدارتها بمنطق الربحية. إعداد: حسن ولد المختار