لقد انتُخب أوباما -الرئيس الرابع والأربعون للولايات المتحدة الأميركية- على أساس أنه صوت للعقل وقادر على تجاوز عقم الحوار الأيديولوجي، فضلاً عن كونه رمزاً لوحدة أمة طالما مزقتها الصراعات التناحرية الحزبية. وعقب انتخابه بدا أوباما لبعض الوقت إيجابياً، براجماتياً معتدلاً راجح الذهن. وبفضل هذه الصفات تمكن خلال الشهور الأولى التي أعقبت انتخابه من توسيع قاعدته الشعبية لتتجاوز كثيراً القاعدة الناخبة التي صوتت لصالحه في شهر نوفمبر الماضي. وتمكن أوباما من جذب المزيد من شرائح الطبقة العاملة وخريجي الجامعات والكليات البيض الذين كانوا قد صوتوا ضده لصالح منافسه "الجمهوري" الأبيض جون ماكين. لكن وعلى حد ما نشره المعلق "رون براونشتاين" الأسبوع الماضي عبر موقع Ntionaljournal.com فقد أشارت آخر استطلاعات الرأي التي أجريت إلى ما يشبه تراجع الرئيس إلى خانة تحالفه السياسي الأولى. ومع ذلك ظل الدعم الشعبي الرئيسي الذي يحظى به كما هو، رغم تراجعه نسبياً. وحسب رأي "براونشتاين" فقد أخفق أوباما في جذب القاعدة الناخبة الرئيسية التي كانت قد فضلت عليه منافسه جون ماكين. صحيح أن أوباما لا يزال يسيطر على المشهد السياسي الأميركي حتى الآن، إلا إنه لم يتمكن من تغيير خطوطه الكنتورية. وكما نعلم فإن النهاية هي مصير كافة شهور العسل، الشخصية منها والسياسية. ولكن قبل أن نستطرد في الحديث عن نهاية شهر عسل أوباما، فإن من العدل أن نتساءل عما أنجزه منذ توليه المنصب الرئاسي وحتى هذه اللحظة؟ والإجابة أنه من غرائب التاريخ -وربما يستغرب الأمر أوباما نفسه في نهاية المطاف- أن أكبر رأسمال سياسي أنفقه أوباما تمثل في خطة الحفز الاقتصادي الباهظة التي بلغ حجم تكلفتها 787 مليار دولار. ولا تكمن غرابة هذه الخطة في كونها أكثر الخطط تكلفة في التاريخ الاقتصادي الأميركي، وإنما في كونه لم يصممها -أوباما- إضافة إلى أنها انتهت إلى تعقيد مجمل أجندة سياساته الأخرى. فيا لها من نهاية حزينة لشهر عسله! هذا وقد أصبح هذا الرقم الفلكي الضخم لتكلفة خطة الإنقاذ الاقتصادي، محوراً رئيسياً للحوار السياسي الدائر عن نظام الرعاية الصحية. فبسبب ارتفاع الدين القومي إلى ما يزيد على التريليون دولار منذ تولي أوباما لمنصبه في شهر يناير الماضي، فقد تعين عليه أن يبني خطة إدارة الخاصة بإصلاح نظام الرعاية الصحية على أساس تكلفة المدخرات البعيدة المدى. غير أن هذه الاستراتيجية قد انهارت عبر سلسلة من التقديرات التي قام بها "مكتب الموازنة" التابع للكونجرس. يذكر أن هذه التقديرات خلصت إلى أن تصورات كل من مجلسي النواب والشيوخ لميزانية إصلاح الرعاية الصحية سوف تؤدي إلى زيادة عجز الموازنة العامة للعشر سنوات الحالية وما بعدها. وفيما يبدو فإن من شأن المقترحات التي يتبناها الحزب "الديمقراطي" أن تؤدي إلى نظام صحي أعلى تكلفة، إضافة إلى أنها سوف تسفر عن نقص في حجم مدخرات التكلفة. ليس ذلك فحسب، بل سترفع هذه المقترحات المعدلات الضريبية على نحو مدمر للاقتصاد القومي، علاوة على كونها تكلفة إضافية للميزانية العامة في المدى البعيد. وبما أن أوباما قد استجاب لما رآه قادة حزبه "الديمقراطي" في مجلسي الشيوخ والنواب، بدلاً من أن يسعى لتطوير خطته الخاصة بالرعاية الصحية، فقد بدت أخطاء تصورات هؤلاء كما لو كانت خطأً رئاسياً ارتكبه هو شخصياً. من الطبيعي إذاً أن تثير هذه الأخطاء قلقاً عاماً إزاء سياسات الإنفاق والعجز المالي والديون. ويعد هذا القلق إنجازاً رئيسياً لشهر عسل أوباما، على رغم أنه لم يخطط له ولم يكن مقصوداً بأية حال. وعليه يمكن تلخيص إنجازات شهر العسل هذا في: سعة الانتقادات التي تعرضت لها حزمة الحفز الاقتصادي، صعوبات وضعف خطة إصلاح نظام الرعاية الصحية، واحتمالات تزايد مشكلة الإنفاق. وكما نعلم فلا عودة لشهر العسل السياسي عندما لا يحسن الرئيس استغلال مدته القصيرة في تصحيح أخطائه. ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"