لقد كان أمل المواطنين كبيراً جداً لدى تولي عمر عبد الله لمنصب كبير وزراء ولاية "جامو وكشمير" قبل ستة شهور، مع العلم أنه يعد الأكثر شباباً بين جميع من تولوا هذا المنصب. وكان هذا المسؤول الشاب الذي تربطه علاقات قوية بـ"راهول غاندي" ابن رئيس الوزراء الهندي السابق "راجيف غاندي"، قد وعد بتحويل كشمير إلى إحدى أكثر الولايات ازدهاراً واستقراراً بعد أن سادها التطرف والعنف لعدة عقود متصلة. غير أن إدارة عمر عبد الله الفعلية لهذه الولاية المضطربة أصلاً يمكن وصفها بأي صفة أخرى عدا السهولة واليسر. وبسبب الصعوبات الكبيرة التي واجهها إثر تنصيبه كبيراً لوزرائها، فقد بدت وعوده للمواطنين آخر ما يمكن تحقيقه أو ترجمته إلى واقع، بل إن قدرات عمر عبد الله القيادية نفسها ظلت تخضع للاختبار بعد الآخر خلال الشهور الستة هذه. وقد تزايدت المخاوف من أن تقع الولاية فريسة لقوى وعناصر ساعية لزعزعة استقرارها أصلاً، بسبب افتقار كبير وزرائها للخبرة السياسية الكافية، مصحوباً بتصاعد الخلافات والنزاعات بين الأحزاب السياسية الرئيسية في الولاية. وكان أكبر تحد سياسي واجهه هذا المسؤول الذي لا يزيد عمره عن 39 عاماً قد حدث الأسبوع الماضي داخل المجلس التشريعي لولايته. ووصل الصراع الحاد بين حزب "المؤتمر الوطني الحاكم" وحزب "الشعب الديمقراطي" المعارض -الذي كان في سدة الحكم قبل انتخاب عمر عبد الله- إلى ما يشبه الانزلاقات الأرضية الشخصية. فقد ادعى زعيم المعارضة وكبير الوزراء السابق "مظفر بيج" تورط عمر عبد الله في فضيحة جنسية اهتزت لها الأوساط السياسية في الولاية كلها. وسرعان ما تصاعدت دراما ذلك الاتهام الخطير داخل المجلس التشريعي للولاية لتصل إلى حد حمل عمر عبد الله على عرض استقالة مشروطة من منصبه لحاكم الولاية "إن.إن. فوهرا"، غير أن الحاكم رفض قبول الاستقالة طالما أن التحقيق في الفضيحة الجنسية المزعومة لا يزال مستمراً. ومن جانبها توصلت اللجنة المكلفة بالتحقيق إلى نفي تورط عمر عبد الله في الفضيحة الجنسية المنسوبة إليه، مُخلية بذلك سبيله منها. يذكر أن عمر عبد الله استمر في مواجهة سلسلة متصلة من التحديات، منذ اللحظة التي أدى فيها "اليمين" الدستورية على منصبه الحالي. وقد بدأت هذه السلسلة عقب حادثة بلدية "شوبيان"، التي وقعت قبل خمسة شهور، أي بعد شهر واحد فحسب من تنصيبه كبيراً لوزراء الولاية. ففي تلك البلدة كان قد عثر على جثتي فتاتين ملقاتين في الثلاثين من مايو المنصرم. وكان عمر عبد الله قد نفى في بادئ الأمر وجود عمل جنائي وراء حادثة مصرع الفتاتين مرجحاً احتمال وفاتهما غرقاً، خاصة وأن جثتيهما كانتا قد عثر عليهما في شاطئ النهر. غير أن التحريات الجنائية كشفت في نهاية الأمر عن ارتكاب جريمتي الاغتصاب والقتل بحقهما. وعليه فقد أرغم عمر عبد الله على الاعتراف بالأسباب الحقيقية لموتهما، وهو ما فعله ولكن بعد فوات الأوان إذ تضررت سمعته السياسية كثيراً جراء تلك الجريمة. فقد اشتعلت مظاهرات شعبية عارمة بسبب الحادثة، وسادت حالة من الاضطرابات لمدة شهرين متصلين. ولم تهدأ البلدة إلا بعد أن أعلنت لجنة قضائية كلفت بالتحقيق في الحادثة عن تورط مسؤولين في جهاز الشرطة المحلية في مقتل الفتاتين. ومهما يكن فقد كشف تعامل "عمر عبد الله" مع حادثة بلدة شوبيان هذه، أنه لا يزال أمام هذا المسؤول الشاب طريق طويل للغاية قبل أن يتمكن من فهم تعقيدات واقع الولاية التي كلف بتولي مسؤولية إدارتها. فمن شأن إساءة التعامل مع أي مسألة من المسائل التي تخص الولاية أن تضع المسؤول في موقف يبدو فيه التعارض الحاد بين السيناريوهات الشعبية والرسمية للمسألة نفسها، وكأن الحكومة تقف عدواً لدوداً للشعب! ولم يستطع عمر عبد الله التخلص من اعتقاده بخطأ استجابة الحكومة للحادثة، ولا من اعتقاده بتوصيل معلومات خاطئة عنها إليه من قبل ضباط الشرطة الذين يتولون التحري فيها. وعليه فقد صرح عبر لقاء تلفزيوني أجري معه بالقول: لقد كان ذلك خطأ واضحا نعتزم عدم تكراره مرة أخرى خلال مدة ولاية الحكومة الحالية. ولكن الذي حدث أن عمر عبد الله ظل عرضة للهجوم المستمر عليه من قبل خصومه منذ حادثة شوبيان المذكورة. وبسبب النزاع الحاد اليومي بين الحزب الحاكم والحزب المعارض بزعامة السيدة محبوبة مفتي، تراجع الاهتمام بكافة القضايا الرئيسية التي يجب على الحكومة التصدي لها، إلى آخر قائمة الأولويات، مع العلم أن أهمها هي القضايا التنموية. وبالطبع لا يساعد تناحر سياسي يومي كهذا بيئة ملائمة للالتفات إلى القضايا الرئيسية التي تواجهها الولاية. وبالنتيجة فلا وجود لأدنى حوار سياسي حول الهموم الرئيسية لذلك الوادي الجميل الساحر. يذكر أن تعزيز المؤسسات الديمقراطية وتحسين مستوى الممارسة السياسية يعدان من أهم ما تحتاجه ولاية جامو وكشمير على وجه الخصوص. والسبب أن المتطرفين هم أول من يسعون لاستغلال أي مظهر من مظاهر الضعف الحكومي هناك. وعليه فإن من واجب الساسة المحليين الالتفات إلى القضايا الرئيسية التي تهم ولايتهم: التنمية الاقتصادية، نزع الأسلحة من المراكز الحضرية، وضع حد للإضرابات، وقف الاغتيالات، وبدء الحوار الجدي مع الفصائل والمجموعات الانفصالية. وقد وعدت الأحزاب السياسية الرئيسية بتسليط جهودها واهتمامها على القضايا الرئيسية الواردة آنفاً، غير أن ذلك الوعد قد تبخر بسبب استمرار النزاعات والخلافات الداخلية فيما بينها، بينما لا تزال الولاية غارقة في خلافاتها وسلسلة اغتيالاتها هذه. يفهم بالطبع إبداء مواطني جامو وكشمير ضيقهم من استمرار هذه الأوضاع المأساوية وحالة الشلل السياسي التي أصابت ولايتهم، خاصة وأن المواطنين يتطلعون إلى التمتع بمزايا النمو الاقتصادي وإلى أن يكون لهم دور في ازدهار ولايتهم وتقدمها. كما تفهم في الوقت نفسه تعقيدات واقع الولاية وصعوبة حل مشكلاتها المستمرة عبر العقود بين ليلة واحدة وضحاها. وبينما تراوح الحكومة في عجزها السياسي، ينشط المتطرفون داخلها مستفيدين من كل التعزيزات والمساعدات الهائلة التي يتلقونها من العناصر الموالية لهم عبر الحدود المشتركة مع باكستان، على رغم انخفاض معدلات التسلل عبر الحدود خلال العام الحالي. نعود للقول إلى ما بدأنا به من أن كل العيون تتسلط الآن على النخب السياسية الحاكمة والمعارضة على حد سواء، وتتجه الأنظار كلها بصفة خاصة على كبير الوزراء عمر عبد الله، الذي طالما أبدى عند توليه للمنصب أملاً كبيراً جداً لازدهار كشمير وتقدمها. وفي الوقت نفسه يزداد قلق المراقبين لتطورات الأوضاع في الولاية من سياسات التناحر المتبادل بين الحكومة ومعارضيها. كما يجب القول إن سلسلة توالي الأخطاء لم تنقطع هي الأخرى. لكن وعلى رغم ذلك كله، لا يزال هناك أمل في أن يتمكن عمر عبد الله من إدارة دفة السفينة وتوجيهها تارة أخرى إلى القضايا التي تهم الولاية فعلاً.