حمل عام 2009 مضامين لافتة على الصعيد السياسي، ربما أهمها وصول باراك أوباما للرئاسة الأميركية، والتغيرات الحاصلة في الخريطة السياسية الإسرائيلية مع صعود اليمين المتطرف الصهيوني. هذان التطوران استوجبا طرح رؤى جديدة على المستوى السياسي في ظل تآكل الرؤى القديمة التي قادتها الإدارة الأميركية السابقة لثماني سنوات. وأمام الطرح الأميركي الجديد (فلسطينياً بالذات)، ما زالت الأطراف في حالة ترقب لخطوات (أوباما) رغم الارتياح من تصريحاته وخطواته حتى تاريخه، مع أننا لم نلحظ أي تغير حاسم بعد، علماً بأنه مقابل استراتيجية نتنياهو لفرض صيغة متطرفة لـ\"السلام الإسرائيلي\"، يجهد أوباما لتحقيق استراتيجيته في \"السلام الشامل\". استراتيجية الأول تعكس رؤى اليمين الإسرائيلي الحاكم تجاه أبرز متطلبات عملية التسوية: لدولة فلسطينية بلا سيادة، وتوسيع المستعمرات (المستوطنات)، والقدس \"عاصمة موحدة وأبدية\" لإسرائيل، ولا عودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم. وبهذا، يلعب نتنياهو بالشعارات الجوفاء، بحيث يمكن الاستخلاص أنه لم يقدم خطة تخصه، ليس لأنه لا يمتلك خطة، ولكن لأنه يعرف أن أحداً لن يقبل بها فيما عدا ائتلافه الحاكم. ذلك أن خطته الحقيقية هي: سيطرة إسرائيلية على كامل الأرض الممتدة من البحر المتوسط إلى نهر الأردن، حتى لو تضمن ذلك وجود كيان فلسطيني لا لون له وإن كان ذي طعم سيئ ورائحة كريهة! في هذه الأثناء، يحاول نتنياهو كسب الوقت وتأجيل المفاوضات ما وسعه ذلك، محدداً شروطاً تعجيزية بما يتعارض مع رؤى المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يحذر منه عديد من السياسيين والكتاب الإسرائيليين وغيرهم. فمثلاً، يرى \"بن كاسبيت\" أن البناء في القدس \"مناورة من نتنياهو\". فبعد أن وضعه أوباما في الزاوية مع المستوطنات، \"لجأ نتنياهو إلى القدس. ومثلما أن هناك إجماعاً في أميركا والعالم على رفض استمرار البناء في المستوطنات، هناك إجماع إسرائيلي وفي أوساط (الشعب اليهودي) على أن القدس عاصمة موحدة لإسرائيل. والآن سنرى إذا كان أوباما رجلاً حقيقياً. إذا كان حقاً يعتزم السير حتى النهاية. السؤال هو: ماذا سنفعل إذا ما اكتشفنا، لمصيبتنا، بأن أوباما جدّي، وأنه سيسير حتى النهاية. في هذه الحالة... يدور الحديث عن نهايتنا نحن\". إنها ليست مباراة متوازنة، كما يقول الكاتب، فالأميركيون \"يمكنهم أن يغلقوا لنا المفتاح في كل لحظة. لا يمكن أن تقوم لنا أي قائمة بدونهم\". في المقابل، يستشف من تصريحات كبار المسؤولين الأميركيين، ومنهم من زار المنطقة مؤخراً، أن استراتيجية أوباما تركز على \"السلام الشامل\" لا السلام فقط بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل مع الدول العربية والمسلمة أيضاً، عبر تقديمه \"مبادرة\" متكاملة إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ قرار بها يفرض على الجميع، عرباً وإسرائيليين، الأمر الذي بالطبع لن يعجب كلا الطرفين، وعندها ستحصل المواجهة بين الاستراتيجيتين، حيث من المتوقع أن يكون في المبادرة ما هو غير مقبول إسرائيلياً، وعربياً كذلك، وبهذا يكون أوباما قد نجح في فرض \"حل متوازن\" قوامه \"خلطة\" تنقذ جزءاً، ولو بسيطاً، من الحق الفلسطيني عبر الطلب من الجميع \"تقديم تنازلات\" قوامها باختصار: دولة فلسطينية ذات سيادة رخوة \"قابلة للحياة\"، تتجاور مع إسرائيل، ضمن حدود ما قبل عام 1967، مع \"تبادلات\" محدودة ومتفق عليها في الأراضي بعد تفكيك \"المستوطنات\" التي لن تضم إلى إسرائيل، وبعد \"إنهاء\" لحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة... إلخ. هذا التناقض بين الاثنين يضع علامة استفهام كبيرة مفادها، هل نتنياهو على هذا القدر من الذكاء؟! في هذا السياق، يأتي قول داعية السلام الإسرائيلي الكاتب \"يوري أفنيري\" حين أوضح أن أوباما \"يكون محقاً عندما يضع مسألة الاستيطان قبل أي شيء آخر، حتى قبل مفاوضات السلام نفسها. يجب أن يأتي الوقف الكامل للبناء في المستوطنات قبل كل شيء. فعندما يكون شخص ما نازفاً، يجب وقف النزيف قبل إمكانية معالجة المرض. وبغير ذلك سوف يموت المريض بسبب فقدان الدم، ولن يكون هناك أحد لمعالجته. هذا بالضبط هو هدف نتنياهو\". غير أن الإدارة الأميركية الجديدة ستحاول ترسيخ \"هدف أوباما\" (استراتيجيته) المذكورة آنفاً على قاعدة أن في ذلك مصلحة أساسية للولايات المتحدة ولإسرائيل وللعرب. ومن ضمن أسلحة عديدة لجأ إليها أوباما، فضلاً عن أنها الدولة الأقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ما تكشفه استطلاعات الرأي الأميركية الأخيرة عن الضرر الجسيم الذي أصاب صورة إسرائيل في الولايات المتحدة: \"قبل الانتخابات الأخيرة هناك، اعتقد 66 في المائة من الأميركيين أن إسرائيل ملتزمة بالسلام، أما الآن فإن 46 في المائة فقط يعتقدون ذلك. قبل أوباما اعتقد 71 في المائة بأن على أميركا أن تدعم إسرائيل، أما الآن فثمة 44 في المائة يعتقدون ذلك فقط. قبل أوباما وصف قدر أكبر بقليل من ثلثي الأميركيين أنفسهم بأنهم \"أصدقاء إسرائيل\"، أما اليوم فأقل بقليل من النصف يصفون أنفسهم كذلك. وإذا لم تكن هذه أسباب كافية للقلق، فإنه لا توجد أي أسباب للقلق إذن\". وفيما يرى باحثون في تقريرهم السنوي الصادر عن أكبر معهد إسرائيلي للدراسات الاستراتيجية \"(معهد الدراسات حول الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب)، فإن \"إسرائيل والولايات المتحدة تتجهان إلى الصدام، ذلك أنه لا الموافقة المشروطة لنتنياهو على إقامة دولة فلسطينية، ولا التفاهمات الجزئية بين إسرائيل وواشنطن حول الملف النووي الإيراني، تكفي لمنع الجانبين من أن يجدا نفسيهما على طريق صدام\". لذلك، ولتفادي مأزق طويل ومواجهة مع واشنطن ذات تداعيات استراتيجية \"خطيرة\" على إسرائيل، دعا التقرير الدولة الصهيونية إلى \"إطلاق مبادراتها الخاصة\"، مع تأكيد أن فكرة \"السلام الاقتصادي\" التي دعا إليها نتنياهو لا يمكن أن تشكل حلاً. ومن جانبه، يؤكد جنرال الاحتياط \"شلومو بروم\"، وهو أحد أبرز الباحثين الذين أعدوا التقرير، أن \"احتمال التصادم مع واشنطن مقلق جداً، إذ بدأ مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية البحث في العقوبات الاقتصادية المحتملة\"، مشيراً إلى أن \"الحوار الاستراتيجي بين الجانبين يراوح مكانه، طالما أنه يجري بين أوباما ونتنياهو\". وفي ضوء مؤشرات باتت واضحة على المواجهة -الصدام، وهي مؤشرات قد تكون تكتيكية ومراوغة ومؤقتة، أو حقيقية تقود إلى \"غالب ومغلوب\"، سيتقرر فيما إذا كان كل طرف سيستخدم ما في جعبته من أسلحة في معركة قادمة، أم أن تهدئة \"في اللعب\" ستحدث بينهما على ضوء صيغة \"المبادرة\" التي سيقدمها أوباما للعالم ولمجلس الأمن الدولي، بحيث تتوقف العملية عند حدود \"لي الإصبع\" بدلاً من وصولها إلى حدود \"لي اليد\" أو \"كسر الرقبة\"!