في حديث له أمام المؤتمر الوطني للمجالس التشريعية للولايات، قال بيل جيتس، المؤسس المشارك في شركة \"مايكروسوفت\" العالمية، إنه يجب على الولايات المتحدة تحسين ترتيبها التعليمي في العالم عن طريق تحفيز التعليم الجاد وتطوير معايير عامة أفضل لأداء الطلبة والمعلمين ونشر أفضل الممارسات وتكريس قواعد المحاسبة. وجيتس، الذي يضع التعليم في بلاده في صدارة أولوياته ويوظف الأعمال الخيرية للترويج لنظام تعليمي أفضل، يعتبر أن أميركا قد تخلّفت وراء دول أخرى تعليمياً، بسبب \"عادات سيئة ومعتقدات قديمة\" مما يعني أن دور رجال الأعمال في المجتمعات الكبرى المتقدّمة لا يقتصر على التبرّعات والمنح المالية فقط ضمن ما يعرف في الأدبيات الإعلامية بالمسؤولية الاجتماعية، بل يطال المشاركة جدّياً في تطوير المجتمعات عبر طرح التساؤلات وتشخيص الواقع والبحث عن حلول ووضع المعايير الصحيحة للعمل والإنجاز. حال التعليم الأميركي الذي يؤرّق بيل جيتس، هو أيضاً موضع اهتمام الرئيس باراك أوباما، الذي أطلق منذ أيام قلائل مبادرة \"السباق نحو القمّة\" وهي عبارة عن مسابقة بين المدارس في مختلف الولايات الأميركية للاستفادة من المساعدات الفيدرالية المقدّرة بنحو 4.35 مليار دولار، وذلك بهدف حثّ المدارس على تطبيق أنظمة تعليم أكثر فاعليّة وربط رواتب الأساتذة بالنتائج التي يحقّقها تلامذتهم. وهذه المسابقة قائمة على التنافس بين الولايات والسلطات المحلية، المسؤولة بشكل كبير عن النظام المدرسي، على إصلاح هذا النظام وتغيير ممارساتها التربوية، وتحتل هذه المبادرة مكانة مركزية ضمن جهود البيت الأبيض لإصلاح نظام التعليم الأميركي وإعادته إلى المرتبة الأولى في العالم. وهذا الإصلاح هو أحد ثلاثة مشروعات ضخمة تعهّد أوباما بتحقيقها لتغيير وجه الولايات المتحدة. أما المشروعان الباقيان، فيتعلّقان بإقامة نظام اقتصادي جديد يرتكز على الطاقة النظيفة، وإصلاح النظام الصحّي. والقاسم المشترك بين حديث جيتس ومبادرة الرئيس أوباما هو التنافسية وإطلاق الطاقات الوطنية من أجل التطوير، اعتماداً على عامل \"التحفيز\" الذاتي سواء لدى الطلاب أو المدرّسين، حيث تعتمد مبادرة أوباما على جعل المدارس تربط أجور أساتذتها بمستوى أداء طلابهم، وبموازاة ذلك ربط التمويل الحكومي للمدارس بتحقيق نتائج محدّدة وفق قواعد متجانسة على مستوى الولايات. ولأن تطوير التعليم الأميركي يبدأ من تطوير المدارس أو \"معامل الابتكار\" كما يصفها الرئيس الأميركي، لذا تركّز هذه المبادرة على منح استقلالية الإدارة والتحرّر من القيود البيروقراطية للمدارس، وربط رواتب المعلمين بمستوى تحصيل الطلاب، مما يعني \"فلْترة\" الكادر التعليمي من العناصر غير المؤهّلة بما يكفي، ومن ثم استبقاء العناصر المتميّزة فقط لضمان أفضل النتائج، وكذلك العمل على وضع معايير أكاديمية موحّدة. إن أميركا التي أصدرت منتصف الثمانينيات من القرن العشرين تقرير \"أمة في خطر\" لتنتشل نظامها التعليمي وتضعه على مضمار التنافسية العالمية، هي التي تفكّر الآن في الخروج من \"الأزمة المالية العالمية\" أكثر قوّة وعنفواناً لتحافظ على ريادتها، وأحد محاور تفكيرها هذا هو التعليم، باعتباره بوابة التنافسية العالمية في القرن الحادي والعشرين، ولذا لم يكن من باب المبالغة أن يرى الرئيس أوباما تجمد مستوى التحصيل عند الطلاب جزءاً من \"أزمة تتفاعل يوماً بعد يوم\"، لتشكّل تهديداً للمستقبل الاقتصادي للأمة الأميركية. إن تطوير التعليم إذاً هو بوابة المستقبل، ومن هنا تكتسب الجهود الدؤوبة، التي تبذلها دولتنا على هذا الصعيد أهميّتها النوعية، وتستحق كذلك التجاوب معها سواء من جانب المجتمع أو من جانب أطراف مجتمعية عديدة، خاصة رجال الأعمال وجمعيات النفع العام ووسائل الإعلام والمدارس الخاصة أيضاً، التي يحصر الكثير منها دوره في التهافت على جني الأرباح والمغالاة في المصروفات والاتّجار بكل ما له علاقة بالعملية التعليمية بداية من رسوم الحافلات وليس انتهاءً بالزّي والكتب المدرسية. عن نشرة \"أخبار الساعة\" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية