عندما أصبحت مديراً لمكتب التحقيقات الفيدرالي في عام ،1987 كان استخدام فحص الحمض النووي AND -بهدف الكشف عن هوية المجرمين وإدانتهم- قد ظهر للتو كأداة في التحقيقات والمحاكمات الجنائية· وقد وفرت عملية تحديد البصمات الوراثية هذه مقدرة جديدة تماماً في الجهود الرامية إلى التفريق بين المذنبين والأبرياء· وفي مطلع عام ،1988 أنشأت شعبة المختبرات التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي مختبراً خاصاً بفحص الحمض النووي· وبحلول نهاية ذلك العام، تمت عمليات الفحص المتعلقة بـ100 قضية· وقد توقعت شخصياً أن النتائج ستؤكد صحة أعمال التحقيق والتقييم المتأنية التي مضت حتى مرحلة اتخاذ قرارات بمحاكمة المشبوهين·
لكن النتائج صعقتني تماماً، ففي 30 في المئة من الحالات تبين عدم وجود تطابق بين الحمض النووي الذي تم جمعه في التحقيقات والحمض النووي في أجسام المشبوهين·
الآن وبعد مضي 15 سنة، لا يتحقق التطابق في نحو 25 في المئة من الحالات، وأنا أشعر بالفخر هنا، إذ أن مختبر الحمض النووي لدينا ساهم في تحديد هوية المجرمين وفي تبرئة المشبوهين الذين اتهمتهم تحقيقات هيئات تطبيق القانون عن طريق الخطأ في أنحاء الولايات المتحدة· لكنني بوجود حالات التبرئة بعد الإدانة، التي بلغ عددها 137 حالة، أشعر بالقلق حيال الأنباء الواردة حديثاً، والتي توحي بأن هيئات الادعاء العام تقاوم إجراء فحص للحمض النووي بعد إدانة المتهمين، حتى في الحالات التي تتوافر فيها أدلة قوية على البراءة· وهنالك دوماً أسباب منها الوقت والمال والعقبات البيروقراطية، وكلها تحول دون تنفيذ الإجراءات· لكن عندما يتعلق الأمر بالعدالة والإنصاف، تكون تلك الأسباب مجرد أعذار ومبررات، ذلك أن المدعين العامين ليسوا فقط ملزمين بواجب مهني يقتضي منهم البحث عن الحقيقة، بل إنهم ملزمون أيضاً بمسؤولية أخلاقية توجب عليهم الرد حيال نسبة حالات عدم التطابق في فحوص الحمض النووي· وكما أدت فحوص الحمض النووي قبل المحاكمات إلى إبراز التواتر والتكرار في حالات قيام الشرطة والمدعين العامين باستهداف للشخص الخطأ، فإن الفحوصات التالية للإدانة قادرة أيضاً على تبرئة الذين أدينوا عن طريق الخطأ، وعلى تحديد هوية الفاعل الحقيقي وإلقاء الضوء على أسباب إدانة الشخص الخطأ·
وهناك حالة تلقي ضوءاً ساطعاً على قوة فحص الحمض النووي، وأعني هنا قضية طفلة من ميريلاند في ربيعها التاسع عثروا عليها مخنوقة وقد تعرضت للاغتصاب والضرب بحجر حتى الموت· في عام ،1985 أدين بالجريمة كيرك بلادزوورث في محكمة في بالتيمور كاونتي وصدر بحقه حكم بالاعدام يستند إلى أقوال شهود العيان، وإلى تصريحات مريبة على نحو غامض كان قد أدلى بها· ومن حسن حظه أن توفرت أدلة بيولوجية في القضية دعمتها فحوص الحمض النووي التي أثبتت فيما بعد أنها أكثر جدارة بالثقة من الأدلة المقدمة ضده· وفي عام ،1992 أكد فحص الحمض النووي المستخلص من السائل المنوي الذي كان على ثياب الطفلة الضحية أنه ليس من جسم بلادزوورث · وفي عام ،1993 تم إطلاق سراحه وتبرئته بعد أن قضى وراء القضبان 8 أعوام بقي حكم الإعدام في عامين منها مسلطاً على رقبته·
لكن تلك لم تكن نهاية القضية، إذ واصل المدعون العامون في بالتيمور كاونتي اعتبار بلادزوورث المتهم الرئيسي في الجريمة، ذلك إلى أن وافقوا أخيراً على إجراء فحوص للحمض النووي أكثر تعقيداً يمكن إدخالها في بنوك المعلومات· ومنذ أسبوعين فقط، جرى إدخال بيانات الحمض النووي (الذي تركه مغتصب الطفلة في مسرح الجريمة) في قاعدة البيانات الخاصة بالحمض النووي في ميريلاند والولايات الأخرى كلها، وتبين أن المتورط شخص يقضي حالياً عقوبة بالسجن لقاء جريمة أخرى· و أخيراً تلقى بلادزوورث من المدعين العامين اعتذاراً انتظر سماعه طوال 10 سنوات·
ويترافق التحسن المتواصل في تكنولوجيا فحص الحمض النووي مع تحسن في القدرة على تحديد هوية المجرمين الحقيقيين وعلى استبعاد من يجري اتهامهم أو تجريمهم عن طريق الخطأ· ولعله كان من الممكن تبرئة المتهمين الذين أدينوا قبل تحقق ذلك التقدم، ولذا صاروا يطالبون الآن بإجراء الفحوص المتقدمة لتحسن فرص براءتهم· ولو ظهر أي مؤشر على ذلك في حالات التبرئة التي استندت إلى فحوص الحمض النووي بعد الإدانة، فإن مطالبتهم مشروعة ومبررة على نحو واضح·
وهنا يرد المدعون العامون بأن نتائج فحص الحمض النووي، في بعض الحالات، قد لا تكون ضرورية لإثبات براءة المتهم، كما يقولون إن الأدلة ضدهم قوية جداً إلى حد يوجب استمرار صلاحية إدانتهم بالجرائم وبقائها سارية المفعول·
لكن ما ليس مفهوماً أن المدعين العامين يبذلون جهوداً لحرمان المتهم من حق الحصول على أدلة من فحص الحمض النووي في الحالات والقضايا التي من الممكن أن تشكل فيها نتائج الفحص فرقاً وأهمية·
في العام الماضي، بذل السجين مايكل إليوت جهداً كبيراً وهو يحاول إثبات براءته من جريمة قتل عمد· وكان هناك طالب مغامر يدرس القانون تمكن من اكتشاف بقعة دم بالقرب من مسرح الجري