"جورج قرم"، سياسي ومفكر لبناني معروف... أصدر مؤخراً بـ"الفرنسية" كتاباً مهماً بعنوان"أوروبا وأسطورة الغرب"، يشكل حدثاً ثقافياً متميزاً. ولعلّ الكتاب هو أول محاولة نقدية جدية لمفهوم "الغرب" من منطلقات نظرية متنوعة، تجمع بين الفلسفة والتاريخ والاقتصاد والعلوم الإنسانية. ويبين قرم أن عبارة "غرب" ارتبطت بالفلسفة الألمانية، خصوصاً بكتابات هيغل وماكس فيبر. وقد عنت في البداية الانقسام داخل أوروبا ذاتها بين فلسفة الأنوار الفرنسية – الألمانية وأوروبا التقليدية التي أرادت الحفاظ على القيم الدينية العتيقة، ونمط التراتب الاجتماعي الموروث عن العصور السحيقة. ويرى قرم أن مفهوم "الغرب" يحمل شحنة عنيفة مدمرة، وقد ارتبطت به الحربان العالميتان الداميتان في القرن العشرين، كما أنه الخلفية المؤطرة لـ"حرب الثقافات" المرفوعة منذ نهاية الحرب الباردة. بيد أن المفهوم الجديد للغرب يتأرجح بين التصور الثقافي بالحديث عن القيم "اليهودية– المسيحية" والتصور الاستراتيجي الذي يغطي الامتداد ذاته (أوروبا ووليدتيها الولايات المتحدة وإسرائيل). ويذكر قرم بالمغالطة الكبرى التي تتضمنها عبارة "الحضارة اليهودية – المسيحية"، التي نقلت من دلالتها التاريخية الأصلية التي كانت محصورة في الطوائف المسيحية الأولى، التي لم تكن الفروق بينها واليهود جلية، لتصبح إطاراً لعزل الإسلام والمسلمين داخل التقليد التوحيدي. والواقع أن الكتابات الإسلامية الرائجة تساهم على طريقتها في تمرير الوهم نفسه، بالحديث عن "الغزو الثقافي الغربي" و"هيمنة الحضارة الغربية"، دون جهد معرفي دقيق في الكشف عن الدلالة النظرية والمعيارية لمفهوم الغرب. فأحياناً ينظر للغرب من حيث خلفيته الدينية، فيتم التركيز على "الإرث الصليبي"، الذي يُعتبر حاضراً في الرؤى والسياسات المعاصرة، على الرغم من الطبيعة العلمانية للدولة الغربية الحديثة. وفي بعض الحالات الأخرى، ينظر للغرب باعتباره تعبيراً عن "الحضارة المادية" المعادية للدين، دون تقديم تصور دقيق لما تعنيه "مادية" هذه الحضارة ومنزلة الدين الفعلية فيها. ولا يتردد البعض في التوفيق بين النظرتين، مفسرين مظاهر الإلحاد والمادية والعلمنة بـ"مؤامرات اليهود " وبـ"الدس الصليبي"... مما لا يستحق نقاشاً علمياً جاداً. وبالرجوع للمصادر الأوروبية الرصينة، نلمس أن مفهوم الغرب يغطي أحداثاً خمسة رئيسية في تاريخ أوروبا، هي حسب صياغة "فيليب نيمو": "المعجزة اليونانية"، التي بلورت فكرة الحرية الإنسانية، بالتفريق بين الطبيعة والقانون البشري، وبالنظر للسياسة كمجال تداولي مفتوح يتحكم فيه المواطنون بكل حرية. - القانون الروماني الذي كرس حق "الملكية الفردية"، ووضع الإطار الكوني الشمولي للمعايير الضابطة للحقل الجماعي، مما ينتج عنه مفهوم رحب للإنسانية، في ما وراء الخصوصيات العرقية والطائفية. - "الثورة المسيحية" التي بلورت مفهوم "الكونية" عبر مقولة "الشخصية"، الذي يرتبط عضوياً بلاهوت الرحمة والتجسد. - الإصلاح الديني في القرنين العاشر والحادي عشر بدمج القانون الروماني في صلب الممارسة التشريعية واعتماد عقلانية اقتصادية متنامية، مما مهد الطريق لعلمانية الدولة الديمقراطية، ولقيام النظام الرأسمالي الحديث. - الديمقراطية الليبرالية المعاصرة، التي كرست حرية الوعي وتعددية الرأي والفكر، من منطلق "قابلية العقل للخطأ"، وما يقتضيه هذا المنطلق من عرضية وتاريخية الحقيقة، وخضوعها لإجراءات التحاور والنقاش. ويمكن أن نجمل هذه اللحظات الخمس في روافد ثلاثة تبدو مترابطة متعاضدة هي: الرافد اليوناني – الروماني، والرافد اليهودي - المسيحي، والرافد التنويري الحديث. والخلل الأبرز في هذه المقاربة، هو النظر إلى المحطات المذكورة كحلقات وعي متصلة، تسير في اتجاه غائي واحد، ينطلق من اكتشاف الحرية في مرجعيتها اليونانية (حرية المواطن المتمتع بقوة اللوغوس) إلى اكتمال الحرية في اللحظة الليبرالية الراهنة، عبر وساطة الحلقة الدينية التي بلورت مرجعية "الكونية الإنسانية". وإذا كان هذا التصور يشكل حجر الزاوية في فلسفة هيجل (فلسفة التاريخ وتاريخ الفلسفة)، فإنه حاضر في الدراسات التاريخية والإنسانية من بوابة عالم الاجتماع الألماني المعروف "ماكس فيبر"، وامتداداته في الحقل السوسيولوجي. وما نريد أن نبينه هو أمران: أولهما: كون هذه المحطات لم تتبع في تشكلها مساراً غائياً متصلًا، بل انبثقت عبر قطائع وانفصالات رصدها مؤرخو الفكر بوضوح لا لبس فيه. ثانيهما: كون هذه التحولات لم تكن لتحدث في سياق مغلق مكتف بذاته، بل هي حصيلة حركة تثاقف عميقة وكثيفة لا شك فيها. فبخصوص الأمر الأول، يتعين التنبيه إلى الانفصال الجذري بين التصور اليوناني للعقل والحرية، وتصورهما في التقليد اللاهوتي المسيحي رغم محاولات الاستفادة الواسعة من النص الفلسفي في الكتابات اللاهوتية الوسيطة. ومحور الفصل الجذري بين التصورين، هو المرور من حقل الأنطولوجيا إلى حقل الميتافيزيقا، حسب التحقيب المهم، الذي بلوره الفيلسوف الألماني المشهور مارتن هايدجر. فعقلانية التمثل والإرادة الواعية لا يمكن بأي حال ربطهما بالعقل اليوناني، الذي هو عقل "المثل والصور" المنسجم مع نظام الوجود. كما أن القطيعة جذرية بين اللاهوت المسيحي وفكر الأنوار والحداثة، الذي قام على أنقاضه بعد صراع مرير وشرس بين النظام المعرفي الوسيط وقيم العقلنة الوضعية والأيديولوجيات التاريخانية، التي كيفت النظم السياسية والاجتماعية المعاصرة. إنه الدرس الجلي الذي يقدمه "ميشل فوكو" في دراسته الحفرية في الأنظمة المعرفية في تاريخ ما يدعى بالثقافة الغربية. أما حقيقة التثاقف المفضي إلى تشكل المحطات التي يُحال إليها مسار الغرب، فمن البدهيات بالنسبة للمؤرخين الذين رصدوا العلاقة الكثيفة المفتوحة بين مكونات الفضاء المتوسطي الواسع الذي تنتمي إليه أوروبا، وما بين هذا الفضاء والعوالم الثقافية الآسيوية، مما لا يتسع المقام لتفصيله. الخطر المتضمن في مسلمة "الغرب" هو حجب حركية التثاقف الواسع التي ولدت القيم الكونية الحديثة (التي هي دوماً مشروع مفتوح غير مكتمل)، مما ينعكس سلباً في انكفائية الوعي الأوروبي ونرجسيته وفي نوازع الخصوصية المرضية المتنامية في الثقافة الإسلامية بحجة محاربة الغزو الثقافي الغربي، وحماية الأنا الحضارية المتميزة. ومن المفارقات المثيرة، أن أبرز العقول الغربية على غرار هايدغر وأدورنو دافعت في الأربعينيات والخمسينيات عن أوروبا في مواجهة التهديد الذي تمثله "الهوية الغربية" كمشروع أيديولوجي واستراتيجي ارتبط بمناخ الحرب الباردة. وقد اعتبرت هذه الوجوه الفكرية اللامعة أن أكثر ما يهدد أوروبا الثقافة في أبعادها التاريخية الأصيلة هو الغرب من حيث هو حداثة عدمية، مدمرة للأصول وللفكر وللهويات. بيد أن المقارية الأيديولوجية الجيوسياية، هزمت أفكار الفلاسفة وهواجس الأدباء، فأصبحت مسلمة "الغرب" الإطار الجديد لصياغة الهوية الأوروبية.