الإعلان، مؤخراً، عن توجّه إلى إنشاء شركة موحّدة لجلب العمالة المنزلية بجميع فئاتها، يعدّ خطوة مهمة ونقلة نوعية في تنظيم هذا الملف وما ينطوي عليه من إشكاليات كثيرة، فالشركة المزمع إنشاؤها ستضع شروطاً وضوابط بشأن استقدام هذه النوعية من العمالة من الدول المصدّرة لها، التي تشير الإحصاءات الرسمية إلى تزايد أعدادها بشكل لافت للنظر خلال السنوات القليلة الماضية. الأمر الذي لا شكّ فيه أن تولي جهة واحدة مسؤولية هذا الملف يعدّ خطوة مهمة، ويمثل نقلة نوعية في التعاطي مع هذه الفئة من العمالة. وأحد أهم جوانب هذه الأهمية هو استغلال بعض مكاتب جلب العمالة المنزلية نشاطها لتحقيق مكاسب مادية طائلة، سواء لجهة فرضها رسوماً على المواطنين مقابل جلب خادمات، أو زيادتها هذه الرسوم من حين إلى آخر من دون مبرّرات، ومن دون تقديم خدمة ترقى إلى المستوى المطلوب، فضلاً عمّا تجلبه ممارسات معظم هذه الشركات على الصعيد الإجرائي من انتقادات خارجية تسيء إلى الصورة الذهنية الإيجابية التي تتمتع بها البلاد. ثاني هذه الجوانب هو أن الشركة المزمع إنشاؤها لن يقتصر عملها على جلب العمالة المنزلية فحسب، بل -وهذا هو الأهم- سيتمثل في تدريبها بشكل جيد، وتوفيرها للمستخدم أيضاً، كما ستكون مسؤولة عنها مسؤولية كاملة، وهذا يشير إلى أنها معنيّة بتوفير بيئة العمل المثلى لها أيضاً، وهذا لا شكّ في أنه سيحفظ حقوق هذه العمالة ومستخدميها في آنٍ معاً، كما أنه سيحدّ من المشكلات التي كانت تثار بين العمالة المنزلية من ناحية ومكاتب الخدم والكفلاء من ناحية ثانية، علاوة على ضمان حدٍّ أدنى من الثقافة والتعليم لهذه الفئة من العمالة المسؤولة عن تربية الأطفال، وكذلك ضمان انخراطها ثقافياً في البيئة المحلية، بما يحدّ من التأثيرات الثقافية السلبية في الهُوية الوطنية. ثمّة جانب آخر للأهمية، هو أن هذه الشركة ستكون الكفيل الوحيد للعمالة المنزلية، بحيث لا يسمح للمواطن أو المقيم بكفالة أيّ عمالة منزلية، وهذا الأمر يعالج واحدة من الإشكاليات، التي كانت تترتب على ذلك، وهي هروب كثير من الخادمات من كفلائهن، من دون تحمّل مكاتب الخدم أو الكفيل أيّ مسؤولية، والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل الأخطر أن هؤلاء الهاربات ينضممن إلى العمالة المخالفة في الدولة، ومع توحيد الكفيل لهذه العمالة يتوقع أن تنتهي مثل هذه المشكلات، فضلاً عن إمكانية التعرّف بوضوح إلى طبيعة الإشكاليات لدى هذه الشريحة وسبل حلها. الواقع يشهد أيضاً بأن العمالة المنزلية كانت في أحيان كثيرة إحدى القضايا التي تستغلّها بعض المنظمات الدولية في الترويج لصورة نمطيّة مغلوطة وزائفة عن وضع العمالة الوافدة في الدولة، والزعم أنها تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الحقوق الذي تنصّ عليه المواثيق الدولية في هذا الشأن، برغم أن الإمارات كان لها السبق بين دول المنطقة في تطبيق عقد موحّد لخدم المنازل قبل عامين. وهذا العقد الموحد أسهم بشكل واضح في الحفاظ على حقوق هذه الفئة وحمايتها، بما نصّ عليه من التزام الكفيل توفير سكن صحي وملائم لها، وتعهّده بمعاملتها معـاملة حسنة تحفظ لها كرامتها. لكن المشكلة دائماً في ما يتعلّق بالعمالة الوافدة تكمن في أنّ هناك من يعمل على مخالفة القانون في الوقت الذي تعمل فيه الجهات المعنيّة على التصدّي له، وليست مشكلة هيكليّة تتصل بالإطار القانونيّ الذي يحكمها، وهذا ما يجب أن تضعه الهيئات المعنيّة بهذه المسألة على الساحة الدولية في اعتبارها، إذا كانت تبحث عن الموضوعية وتحقيق إنجاز فعلي، وحتى لا تشوّه الحقائق، أو تقدم تقارير مغلوطة تقفز على ما تحقق فعلاً لهؤلاء من ضمانات وإنجازات على أرض الواقع. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.