الرحلة للاستزادة من المعرفة موجودة لدى الإنسان منذ القدم، بل كان الناس يقدّرون من يرحل ليستزيد من العلْم ومن المعرفة. وقديماً في فترة ما قبل الميلاد، رحل أرسطو سنة (367 ق.م) من مدينة "ستاغيرا" إلى "أثينا" ليلتحق بمعهد أفلاطون، وكان أفلاطون قد جمع حوله مجموعة من الرجال المتفوقين في مختلف المجالات العلمية من طب وبيولوجيا ورياضيات وفلك. ولم يكن يجمع بينهم رابط عقائدي سوى رغبتهم في إثراء وتنظيم المعارف الانسانية، وإقامتها على قواعد نظرية راسخة ثم نشرها في مختلف الاتجاهات، أما العلماء المعاصرون أو الذين مروا خلال القرون الماضية فقد كانوا من الرحّالة يذهبون حيث تنتشر المعرفة. "الابتعاث" ... "ظاهرة معرفية" مهمة، ذلك أن المبتعث حينما يذهب إلى دول أخرى وبيئات أخرى وثقافات أخرى يصقل تجربته الثقافية والحياتية بتجارب أخرى تجعل عوده أشد صلابة وتمنح علمه ومعرفته- التي يتلقاها هناك- سمة المباشرة ليأخذ العلم الأصلي بمعنى أن يغرف من ذات المنابع العلمية دارساً في بلدان من تأسست لديهم المعارف أو من أبدعوا في تدوينها وترتيبها، وهي ظاهرة انتشرت في الخليج بعد الطفرة والتنعّم بخيرات المعادن التي ساهم اكتشافها في تخفيف صعوبات الحياة، وترسيخ قدرة الدولة على رعاية المتعلمين والصرف عليهم عبر الابتعاث. ولعل توجيه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس "مجلس أبوظبي للتعليم" بابتعاث 600 طالب وطالبة من المتفوقين بالصفين العاشر والحادي عشر إلى كل من كندا وأستراليا ونيوزيلندا ضمن برنامج "الصيف في الخارج"، يدخل في ذات السياق المعرفي الحديث، وهو أن تبتعث الدول أبناءها للتعلم، وهو اتجاه من المؤمل أن يكون سمة في كل منطقتنا العربية، ذلك أن الطاقات الشبابية المكتنزة والمهملة والمهدورة، لم تستغل خير استغلال، هناك فئات كثيرة من الشبان العرب يريدون الحصول على تعليم جيد للنهضة ببلدهم وتطبيق أفكارهم، إن توجيه سمو الشيخ محمد بن زايد يفتح شعاع نور المعرفة عبر إعادة أسلوب الابتعاث كأسلوب علمي، وجد منذ أن عرف الإنسان المعرفة ومنذ أن شدته الأسئلة وبحث عن أجوبة معرفية لها. يرى البعض أن الابتعاث ربما يساهم في "تغيير عادات المبتعث"، أو ربما "يغير ثقافته"، أو أن للابتعاث "مخاطره"، وهي حجج جعلت الناس لفترة من الزمن، يخافون على أبنائهم من الابتعاث، علماً أننا لو تأملنا في التجارب التي مرت على دوائر التعليم العربية إبان نشاط الابتعاث -خاصةً في فترة السبيعينيات وعلى الأخص في السعودية- نجد أن الذين تم ابتعاثهم عادوا بعقول معرفية أسست لتوازن فكري وثقافي وعملي داخل بلدانهم، يكفي أن نتذكر أن العديد من الكفاءات التي استفادت منها المؤسسات الإدارية الحيوية في السعودية، كانوا من المبتعثين من بين هؤلاء على سبيل المثال وزير البترول والثروة المعدنية في السعودية المهندس علي بن إبراهيم النعيمي، أو الدكتور غازي القصيبي أو غيرهم. الهوية الثقافية التي ينشأ عليها الإنسان في بيته بشكل صحيح، لا يمكن أن تهزم بمجرد الاحتكاك بالهويات الثقافية الأخرى، بل ربما يستفيد في تغذية هويته الخاصة من خلال احتكاكه بالثقافات والهويات الأخرى، لكن لا يمكن أن يتم طمسها، هذا ما تعلمناه من خلال التجارب الخليجية مع الابتعاث. والأكيد أن الجيل الذكي المتفوق، والذي يمثله 600 طالب وطالبة من الذين سيتم ابتعاثهم سيعودون بقدرات جديدة، ربما تؤسس لبنية أساسية لنهضات الإمارات القادمة المتوالدة، والتي لا تقف. والعلم هو أساس كل نهضة، والمعرفة هي محتوى كل إرادة تجديد والهوية محفورة في الوجدان، لا يمكن أن يغيّرها الابتعاث، بل ربما يساهم الابتعاث في لفت نظر الطالب إلى قيمة هويته التي نشأ عليها، ويعرض ثقافته وهويته على العالم ويسوّق لبيئته ووطنه، ويرسم للآخرين في العالم صورة إيجابية عن ذاته وعن وطنه وعن ثقافته وبيئته. تركي الدخيل www.turkid.net