أثارت مقالةٌ نشرها الصحفي المعروف "روبرت فيسك" في صحيفة الـ"إندبندنت" عن الأوضاع العربية، سُخْط كثيرين من أصدقائه العرب والمسلمين. يقول فيسك إنه جاء مُراسلاً إلى المنطقة، وإلى القاهرة بالذات في عام 1976. وكانت القاهرةُ يومَها في أسوأ أوضاعها من حيث الأمن الإنساني، ومن حيث إحساس الناس بأنهم لا يملكون بلدهم أو حرية التصرف في حياتهم. والآن ومع صدور تقرير التنمية الإنسانية العربية الخامس، يشعر فيسك أنّ الأَوضاع صارت أسوأ مما كانت عليه عام 1976. فقد تغيرت نوعية الحياة في سائر أنحاء العالم؛ بما في ذلك البلدان التي كان ميئوساً منها مثل الصين والهند. وإحساسُهُ أنّ شيئاً من ذلك لم يحدُث في العالَم العربي. وفي حين يُحمِّلُ فيسك الأنظمة المسؤولية الرئيسية عمّا كان ويكون، يلفتُ الانتباه إلى أنّ السياسات الأميركية في عهد الرئيس بوش، كانت بين أسباب الأهوال التي جرت للعرب وللشرق أَوسطيين. ولذلك يضعُ آمالاً كبيرةً في محاولات السلام التي تقودُها إدارة أوباما الحالية. فقد يؤدي نجاحُها إلى انصراف العرب -ولو جزئياً- للاهتمام بالتنمية الإنسانية، شرطَ أن تتوارى وتنسحب الجيوش الأجنبيةُ، ويدع الآخرون تلك البلاد لأهلها بحـيث يعملون على رعاية شأنهم العامّ، وبحيـث يُخالجُهُم الإحسـاس -للمرة الأُولى- بأنهم يملكون بلدانهم بالفعل! ما رأيتُ في المقالة ما يمكن أن يُثير السُخْط أو التبرُّم. لكنّ أصدقاء فيسك -فيما يبدو- توقّعوا منه، وهو اليساري الليبرالي، أن يُحمِّل الغربَ وسياساته -كما اعتاد- العبء الأكبر فيما حلَّ ويحلُّ بالعرب، ويتسبّب في استمرار ثوران "القاعدة" والتطرف الإسلامي. لكنْ بغضّ النظر عن شخصية روبرت فيسك وآرائه وتحميله المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك؛ فإنّ التقرير الخامس للتنمية الإنسانية العربية(2009)، يدفعُ بالفعل إلى التساؤل: أين كنا وأين صِرْنا بين العامين 2002 (تاريخ صدور التقرير الأول) و2009؟ فليس من العدالة أو الموضوعية في شيء النظر إلى الوضع العربي بمنظار التطورات السكانية وتطور الخدمات في القاهرة بين السبعينيات والعام الحالي فقط، إذ هناك تطورٌ محسوسٌ وأحياناً باهر في بلدان الخليج البترولية، وفي بعض بلدان المغرب العربي. أما الأزمات المستعصية التي يشير إليها الصحفي فيسك، والتي تُداني درجات الحرب الأهلية، فتقع في أربع بلدانٍ هي: الصومال والسودان والعراق واليمن. وما كان الوضْع ممتازاً بالعراق في الثمانينيات والتسعينيات من الناحية الإنسانية، لكنه لا يُقارَنُ بالوضع الإنساني السائد فيه اليوم، باستثناء المنطقة الكردية. ويرجعُ ذلك ولا شكَّ إلى الغزو الأميركي للعراق، بعد مُحاصرته منذ حرب النظام على الكويت عام 1990. وما يُقالُ عن العراق، يصدُقُ بدرجةٍ أو بأخرى على الصومال، وبلدان أُخرى في القرن الإفريقي. فمنذ عام 1991 ما عرف الصومالُ سلطةً مركزيةً من أيّ نوع، وما بقيت جهةٌ مجاورةٌ أو بعيدةٌ إلاّ تدخلتْ فيه. ويُداني عدد السكّان الذين هجروهُ هرباً من الفوضى والمجاعات رُبع مجموع مواطنيه. والسودانُ أيضاً لا يخرجُ عن هذه الدائرة للسياسات الدولية، رغم سوء إدارة وتصرف حكومته العسكرية المركزية. فمشكلة الجنوب مع الشمال، والتي لقيتْ حلاًّ دولياً ما انتهت بسبب التدخُّل الدوليّ بالذات. أمّا مشكلةُ دارفور، والتي يتحملُ نظامُ الحكم هناك مسؤولية تركها تنفجر، ثم الانحياز لطرفٍ ضد آخر؛ فإنّ التدخُّل الدوليَّ ما حلَّ أيَّ قضيةٍ فيها وصولاً لقرار المحكمة الجنائية الدولية باعتبار رئيس الدولة السودانية مسؤولاً عنها! ويختلفُ الأَمْر مع اليمن التي تتفجر نزاعاتُها الآن من الشمال إلى الجنوب بطرائق مُزْرية. فالمسؤوليةُ الأكبرُ بالفعل تتحمل أعباءها السلطة اليمنيةُ المركزية. لكنْ هناك المسؤولية التي يتحملها الثَوَران الإسلامي الخارجي والداخلي أيضاً. فاليمنُ مثل الصومال لجهة أنّ الثَورانَ الأصوليَّ بشقَّيه: الإيراني المنزع و"القاعدي" المنزع، يصلُ إلى الذروة الآن بسبب الحصار والبتْر الذي يتعرض له في "الحرب على الإرهاب"، فيلجأ لهذه الطرائق في بَلَدَي اللجوء والمهرب هذين. ولنعُدْ إلى أصل المسألة، مسألة التنمية الإنسانية، بعد هذا التفصيل في أسباب وبؤَر المُعاناة الإنسانية الكبيرة في العالم العربي. روبرت فيسك وَضَعَ يده بالفعل على عاملين مهمَّين بين عوامل المُعاناة في الأوطان العربية: الاحتلال الإسرائيلي، وطرائق الأنظمة في إدارة الشأن العامّ. فالاحتلال الإسرائيلي لا يكتفي بفظائع الهيمنة والسطْوة، بعد أن انتهى الاستعمارُ في العالَم إلاّ في فلسطين؛ بل إنه يضيفُ إلى رذائله شنّ الحروب على الشعب المحتلّ والمُحاصَر، ومن تلك الحروب حربُهُ على غزة في نهاية عام 2008، وممارساته الاستيطانية اليومية في الضفة الغربية والقدس. فهناك أربعة ملايين إنسان يُمارَسُ عليهم الاضطهادُ والقتْلُ في قلب الشرق الأَوسط، إضافةً للتوترات والحروب المتقطعة تُجاه بلدان الجوار لفلسطين على مدى عقودٍ متطاولة. ونحن عندما نتحدث عن هذا الأمر، لا نضعُ نُصْبَ أَعْيُننا الأبعادَ السياسية للاحتلال والاستيطان وحسْب؛ بل بالدرجة الأُولى الأبعادَ الهائلةَ للمُعاناة الإنسانية على الفلسطينيين، وعلى سائر عرب المشرق. أمّا العاملُ الآخَرُ، أي الأنظمة العربية، فيؤْخَذُ عليها أمران وليس أَمراً واحداً: التخلّي عن الدفاع عن الفلَسطينيين وسائر المواطنين العرب من جهة، وعدم الاندفاع في سياساتٍ تنمويةٍ تجعلُ الاستقرار قائماً على فُرَص الحياة الجديدة بدلاً من قيامه على الأَمْن والقَمْع. فباستثناء ممارسات إعادة الهيكلة والتحرير الاقتصادي- وهي ممارساتٌ ذاتُ أبعادٍ متفاوتةٍ ومتناقضة- ما شهدت نوعيةُ الحياة تطوراتٍ لافتةً في بلدان الكثرة السكانية العربية. بل إنّ الحياة الإنسانية ما شهدتْ تطوراتٍ حاسمةً في أكثر من بلدٍ بتروليٍ. في المجال الأول، مجال الدفاع عن الناس، انصرفت الأنظمة عن الجيوش إلى الأمن الداخلي وحتّى عقد اتفاقيات السلام مع إسرائيل، وتركت أمر الدفاع و"التحرير" للتنظيمات الثورية، بحيث أدّى ذلك إلى الانفجار الإسلامي المعروف والمستمرّ، وبحيث اكتسب الإحياء الإسلامي مشروعيةً لا يستحقُّها في الداخل أو تُجاه الخارج الصهيوني والأميركي الهاجم. وقد أكثر اليساريون والإسلاميون من الحملة على العولمة الاقتصادية واقتصاديات السوق، وكثيرٌ مما قالوهُ صحيح. لكنّ العولمة أتاحت فُرَصاً للنهوض في بلدان كثيرة بآسيا وإفريقيا، وقد استغلّها قادةٌ متميزون وحقّقوا مشاركةً قويةً لبلدانهم في اقتصادات العالم. والأهمُّ من ذلك أنّ تلك القيادات المتميزة، في البرازيل والهند والصين وماليزيا وكوريا الجنوبية... انتهجت سياسات اقتصادية وقانونية رفعت من خلالها زُهاء مليار إنسان فوق خط ّالفقر في أقلَّ من ثلاثة عقود. وما حدث شيء من ذلك في بلدان الكثرة السكانية في العالَم العربي. وهناك بُعْدٌ آخَرُ يُركّزُ عليه الصحافيون الغربيون في حين لا يوليه المثقفون العرب اهتماماً كافياً، وهو مسائل المساواة والحرية والتداوُل السياسي والتعليم. ولذا فإنّ بلدان الوطن العربي تشهدُ تكُّلساً سياسياً، وطبقيةً ما عرفتْها في أَسوأ عصور الاستعمار في القرنين الأخيرين. وفي النهاية؛ فإنّ مبادرة الرئيس أوباما للسلام في الشرق الأوسط، لا تملكُ حظوظاً كبيرةً في النجاح، لأنّ الإسرائيليين لا يريدونها، وللمزاج المُقْبض والمتشائم لدى الناس في العالَم العربي. إذ ما هي مقاييسُ النجاح والفشل في الحل السلمي المأمول حتى لو تحقّق قيامُ ما يُشْبه الدولة في فلسطين المحتلة؟! دولةٌ على 20% من الأرض، ضئيلة الموارد، ومُحاصَرة بإسرائيل ومستوطناتها، وبالانقسام الفلسطيني الثقافي والسياسي! يستطيعُ روبرت فيسك أن يتفاءل أو يتشاءم. لكنّ مُشكلتَنا تبقى في الافتقار إلى التغيير السياسي، والافتقار إلى تغيير النظرة للإنسان وضروراته وحرياته وكرامته، والافتقار إلى العملُ المُجدْي والهادف في دُوَلٍ للبشر وَمَنْ على شاكلتهم! ولله الأمر من قبل ومن بعد.