أظهر الإعلان الأولي عن مؤشرات أداء الاقتصاد الصيني خلال ما يقارب العام، ارتفاعاً هائلاً في حجم النمو الاستثماري إلى حد أرغم الجهات المنظمة لأسواق المال على وقف النشاط التداولي فيها مرتين. فقد ارتفع مؤشر بورصة "هانج سينج" في هونج كونج بدرجة كبيرة خلال الأسبوع الحالي، لتصل نقاطها إلى ضعف ما كانت عليه في موسم خريف العام الماضي. كما ارتفع حجم القروض في الصين نفسها ليتجاوز تريليون دولار خلال النصف الأول من العام الجاري. ففي حين تصارع معظم الدول من أجل استقرار اقتصاداتها، يبدو أن الصين قد استأنفت رحلة صعودها الفلكي الاقتصادي مجدداً. قال مسؤولون صينيون إن اقتصاد بلادهم ربما يكون قد شهد نمواً خلال الربع الأول من العام. كما أشار "مكتب الإحصاء الوطني" إلى نسبة نمو في إجمالي الناتج المحلي تقدر بحوالي 7.9 في المئة خلال الفترة نفسها. وجاءت تلك النسبة مفاجئة لتوقعات المحللين التي لم تتجاوز نسبة 4 في المئة فحسب. وبهذا الصعود السريع في تنامي اقتصادها الوطني، فإنه يتوقع للصين أن تحل محل اليابان باعتبارها ثاني أكبر اقتصادي عالمي قريباً جداً، ربما بنهاية العام الحالي. غير أن بعض المحللين الاقتصاديين يرون أن هناك مؤشرات ثانوية تناقض هذه العودة القوية لنمو الاقتصاد الصيني، التي تبدو أشبه بالمعجزة. من بين هذه المؤشرات أن هناك انخفاضاً كبيراً في العائدات الضريبية. وخلال النصف الأول من العام، انخفضت كذلك أرباح الشركات التي تديرها الدولة إلى ما يقارب نسبة 25 في المئة. كما انخفضت أجور العاملين في بعض المناطق. يلاحظ أيضاً تصاعد أرصدة البطاقات الائتمانية. وفي هونج كونج، ظلت معدلات البطالة على ارتفاعها، رغم ارتفاع أسعار العقارات إلى حد جعل مستحيلاً على بعض أفراد الطبقة الوسطى شراء منازلهم الخاصة. وبحلول شهر يونيو المنصرم، ارتفع حجم القروض الموافق عليها بنسبة 37 في المئة، إلى ما تعادل قيمته 4.95 مليار دولار، وهو معدل أعلى بقليل مما كانت عليه قبل الأزمة المالية الآسيوية عام 1997. وبسبب هذا التناقض في المؤشرات، يزداد قلق المراقبين والمحللين من تشابه مظاهر ضعف الاقتصاد الصيني، وكذلك ضعف اقتصاد هونج كونج- مع ملاحظة تزايد الارتباط بينهما في السنوات الأخيرة الماضية- مع مظاهر الضعف ذاتها التي أصابت الاقتصاد الأميركي قبل بداية دخوله في أزمته الحالية. والمقصود بهذا تزايد تمويل المستهلكين، وتمادي البنوك في تحمل المزيد من المخاطر المالية، وهما الحالتان اللتان أديتا إلى انتفاخ فقاعات كاذبة في البورصات والأسواق المالية والعقارات معاً. وعلى حد قول المحلل "دونج تاو" – الاقتصادي الرئيسي الإقليمي لمجموعة "كريديت سويز": "صحيح أن الاقتصاد الصيني استطاع التعافي من تأثيرات الأزمة المالية الاقتصادية العالمية بسرعة أكبر من اقتصادات الكثير من الدول الأخرى، غير أن من شأن الارتفاع الكبير في أسعار رأس المال أن يخلق عوامل عدم الاستقرار الاقتصادي". إلى ذلك، حذر البنك المركزي الصيني يوم الثلاثاء الماضي من مخاطر ارتفاع التضخم مرة أخرى خلال النصف الثاني من العام الحالي. ليس ذلك فحسب، بل إن من شأن زيادة أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية في هذا الوقت من العام، أن يثير تحديات سياسية كبيرة بالنسبة للحزب الشيوعي الحاكم، الذي تمكن بالكاد من إطفاء نيران الاحتجاجات التي ثارت بسبب الارتفاع الحاد في معدلات البطالة في المراكز الحضرية خلال العام الماضي. يذكر أن الهدف الرئيسي لميزانية الحفز الاقتصادي البالغة 586 مليار دولار، هو إظهار ضخ الحكومة لمبلغ مالي مذهل بهذا الحجم كله في الاقتصاد الوطني. وليس أدل على ضخامة حجم هذا الإنفاق الحكومي من بلوغ قيمة القروض المصدق عليها خلال النصف الأول من العام الجاري، معدلاً مكافئاً لقيمة إجمالي الناتج المحلي خلال الفترة نفسها. تعليقاً على هذه الأرقام، قالت "ويندي إم. ليو"- رئيسة قسم أبحاث بنك إي. بي. إن. أمرو- لم تشهد السنوات العشرون الماضية، توسعاً مثل الذي نشهده اليوم في الائتمانات. ولكن من رأي المحلل الاقتصادي "تاو" -سبقت الإشارة إليه آنفاً- أن هناك وفرة كبيرة في الأموال إلى حد لم يعد فيه المستثمرون يدركون أين يمكن لهم استثمار أموالهم في قطاعات الاقتصاد الحقيقي. وعليه يتجه هؤلاء لاستثمار أموالهم في شراء الأراضي وغيرها، مما أدى لارتفاع أسعار رؤوس الأموال. ولكن النتيجة الأخطر هي أن الائتمانات قد خرجت عن السيطرة الآن. يذكر أن القوة الدافعة لأسواق البورصة الصينية لا تعتمد على المؤسسات الاستثمارية، إنما على الأفراد الأثرياء الذين يهيمنون على بورصات عالمية أخرى، مع العلم أن مضاربات البورصة، قد سبق لها أن خلقت دورة من الصعود والانهيار المريعين في الماضي. ومن رأي "شيرمان تشان" -محلل اقتصادي بموقع Moody's Economy.com- أن ضخامة حزمة الحفز الاقتصادي أعطت من المؤشرات الأولية ما يدل على نجاحها. وهذا ما شجع المستثمرين على العودة إلى أسواق البورصة مجدداً. ولكن مهما كانت مؤشرات النجاح الأولية هذه، فإن المؤكد استحالة استدامة أرقام النمو الحالي في أداء البورصات والأسواق المالية الصينية. من ناحيته، حذر المحلل الاقتصادي "تشان" من أن تصل هذه المؤشرات في حال استمرارها حد الجنون الكارثي. أريانا إينجونج تشا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"