اليوم بعد رحيل إدارة بوش وحليفتها الرئيسية حكومة بلير عن السلطة، لم يعد ما أطلقتا عليه بكثير من الغموض اسم "الحرب على الإرهاب" يتصدر الأخبار والعناوين في وسائل الإعلام المختلفة، وإن بقيت تلك الحرب تتسبب في عدد لا يحصى من انتهاكات حقوق الإنسان في العديد من مناطق العالم. وقد عانت حكومة "ستيفن هاربر" الكندية، التي أظهرت حماساً استثنائياً في تنفيذ توجيهات بوش والانخراط في سياساته العامة، من إحراج كبير عندما كُشف مؤخراً عن تورط مسؤولين كنديين بصفة غير مباشرة في انتهاك حقوق بعض الأشخاص ممن يحملون الجنسية الكندية مثل "أبو سفيان عبدالرزاق"، وهو مواطن كندي مولود في السودان، تم توقيفه في السودان أثناء زيارة إلى أمه في 2003، حيث قيل إنه قد تم استنطاقه حينها من قبل عناصر كندية وسودانية، وتعرض لسوء معاملة مازال يحمل ندوبه كدليل على ما تعرض له، وذلك كله دون أن تقدم إليه دلائل تثبت تورطه في أعمال إرهابية يعاقب عليها القانون. وبعد مرور 19 شهراً أطلقت الحكومة السودانية سراحه عندما أدركت أنه لا يمكنها الاستمرار في احتجاز رجل بريء بشكل لا نهائي نيابة عن بلد آخر. ولكن محنة "عبدالرزاق" لم تنتهِ عند ذلك الحد، فقبل أيام قليلة من الإفراج عنه في يوليو 2004 أرسلت حكومة أجنبية يُعتقد أنها الولايات المتحدة مبعوثيها إلى المسؤولين الكنديين تطالبهم بعدم السماح له بالعودة إلى كندا، وهو بالفعل ما قامت به حكومة "أوتاوا"، التي استجابت للمطالب الأميركية في انتهاك سافر للحق في التنقل الذي يخوله دستور كندا لمواطنيها. ولمرتين حاول "عبدالرزاق" العودة إلى كندا، لكن بدون جدوى بسبب رفض الخطوط الجوية الكندية السماح بركوبه الطائرة، وعندما سعى إلى تجديد وثائقه الكندية امتنعت الحكومة عن إصدار وثائق سفر جديدة له، لينتهي به المطاف مقيماً في السفارة الكندية بالخرطوم لأربعة عشر شهراً فيما كان محاموه في كندا يتابعون قضيته، على قدم وساق. وقد وصلت المحكمة الفيدرالية التي يترأسها القاضي "راسل زين" إلى قرار مفاده أن "عبدالرزاق" هو بمثابة "سجين في أرض أجنبية"، مشيرة إلى أنه "لا توجد دلائل مقنعة تثبت أن عبدالرزاق يدعم مادياً أو بطرق أخرى القاعدة، أو أنه عضو من أعضائها أو متبٍن لأفكارها"، بل إن القاضي اكتشف أيضاً تورط أجهزة الاستخبارات الكندية في عملية اعتقال "عبدالرزاق" من قبل الحكومة السودانية قبل ستة أعوام، وأمر الحكومة الكندية بتسهيل رجوعه في غضون ثلاثين يوماً. وفي الشهر الماضي، سُمح له أخيراً بالعودة إلى كندا بعد محنة شاقة استمرت ست سنوات! كما كشفت في الأسبوع الماضي الصحيفة الكندية الأولى "ذي جلوب" أنها حصلت على وثائق حكومية سرية تظهر أنه في مرحلة من مراحل المأساة التي عانى منها "عبدالرزاق"، وبدلاً من توجيه الحكومة الكندية لدبلوماسييها في الخرطوم بالاحتجاج أصدرت الحكومة تعليمات إلى سفارتها بالتزام الصمت واللامبالاة. والحقيقة أن ما جرى للمواطن الكندي في السودان هو مثال مؤسف على الحالة المتردية التي وصلت إليها حقوق الإنسان في كندا، والشكوك التي تلاحق الكنديين من أصول عربية في ظل توجهات الحكومة الحالية، كما تظهر ذلك بوضح مأساة الشخص المذكور. ولم يقتصر الأمر على حالة هذا المواطن الكندي من أصل سوداني، بل لقد امتدت إلى ثلاث حالات أخرى شبيهة كلها تشير إلى التأثير السلبي الذي أحدثته مشاعر الخوف من الإسلام، والتي غذتها الحرب على الإرهاب، على حقوق الكنديين العرب مما دفع الحكومة إلى التورط في اعتقالات عشوائية خارج القانون وتبني أسلوب يخرق بشكل واضح حقوق الإنسان التي ينص عليها الدستور الكندي. فقد قيل أيضاً إن كلاً من "مؤيد نور الدين" و"عبدالله المالكي" تعرضا للاحتجاز في سوريا وأُسيئت معاملتهما، حيث تم اعتقال "نور الدين"، وهو مواطن كندي من أصل عراقي، في سوريا وهو عائد من زيارة عائلية في العراق خلال عام 2003، حيث قال إنه خضع للاستنطاق وإساءة المعاملة دون اتهامه بأي جريمة، وفي السياق نفسه اعتقل "عبدالله المالكي"، وهو مواطن كندي سوري الأصل في مطار دمشق لدى عودته إلى كندا، وقال إنه أجبر على التوقيع على اعتراف تحت الإكراه. وفي التقرير الذي أصدره الرئيس السابق للمحكمة العليا الكندية القاضي "فرانك لاكوبوتشي"، أشار إلى أن تقصير المسؤولين الكنديين عن القيام بواجبهم ساهم في انتهاكات متكررة لحقوق مواطنين كنديين، واعتبر أن عبارات مثل "خطر محتمل" التي ألصقت بالكنديين الثلاثة لم تكن دقيقة وتحتاج إلى الأدلة. وإذا كان القضاء الكندي قد أنصف في النهاية "عبدالرزاق" و"المالكي" و"نور الدين" مسجلًا انتصاراً صريحاً لحكم القانون والديمقراطية، إلا أنه من المشين إهدار حقوقهم وتعرضهم للإجحاف ليس لسبب واضح إلا لأجواء الخوف التي صاحبت الحرب على الإرهاب، والتي تجعل كل العرب الكنديين وكأنهم مدانون حتى يثبت العكس.