في الأيام التي كان ينظر فيها في "روما" القديمة إلى الأجانب على أنهم برابرة، كانت تلك النظرة مقرونة بفكرة أن هؤلاء البرابرة، بالإضافة إلى كونهم على جانب كبير من الدموية والعنف، فإنهم أيضاً غير نافعين ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً. من هنا، يرى "أدريان جولدورثي"، المؤرخ والكاتب البريطاني المتخصص في الشؤون العسكرية في كتابه "سقوط الغرب: الموت البطيء للقوة الرومانية العظمى"، أنه إذا ما كان الأمر كذلك حقاً، فإنه يغدو من غير المنطقي إذن اعتبار هؤلاء البرابرة مسؤولين عن سقوط الإمبراطورية الرومانية في الغرب عام 486، عندما تم إحلال آخر إمبراطور روماني وهو الإمبراطور "رومولس"، الذي كان قد أصبح في ذلك الحين أُلعوبة بأيدي القبائل الجرمانية التي سيطرت على الإمبراطورية تحت قيادة الملك الجرماني "أودواسر". لذلك كان من الأمور المألوفة أن ينسب المؤرخون ذلك السقوط إلى مجموعة من الأسباب، مثل الانحدار الأخلاقي، والخواء الروحي، والضعف المادي، والتدهور الاقتصادي والاجتماعي... إلخ. هذه النظرة نحو الإمبراطورية الرومانية وأسباب سقوطها، تغيرت على أيدي علماء التاريخ الفرنسيين في القرن العشرين، والذين علموا مريديهم أن هؤلاء "الأجانب" لم يكونوا برابرة، كما زعم كتاب التاريخ القديم والوسيط، وإنما كانوا على جانب كبير من الأهمية، وأنه لا يمكن أبداً وصفهم بأنهم عديمو النفع؛ لأنهم إذا ما كانوا كذلك فلا يعقل منطقياً أن يكونوا قادرين على إسقاط إمبراطورية كانت تحكم العالم مثل الإمبراطورية الرومانية. ونظراً لأن العديد من خصائص وسمات الإمبراطورية الرومانية قد استمرت مع المملكة الجديدة التي حلت محلهم، فإنه كان من المفروض على هؤلاء المؤرخين أن يصفوا القبائل الجرمانية التي اجتاحت "الراين" و"الدانوب" بدءاً من القرن الرابع بعد الميلاد وما بعده، ليس كقبائل بربرية وإنما كقبائل استنقذتها شعوب الإمبراطورية الرومانية بعد أن فقدت الأمل في أباطرتها الذين أفسدهم الترف والسلطة المطلقة. وقد قامت القبائل الجرمانية بهذا الدور لمدة أربعة قرون، قبل أن تجتاح قبائل "الهن"، وهي قبائل رعوية مقاتلة شرسة قادمة من شرق أوروبا، تركت مواطنها واندفعت غرباً لأسباب غير معروفة، لتجبر القبائل الجرمانية على الفرار أمامها بأعداد هائلة مما أدى إلى السقوط النهائي للإمبراطورية. أي أنه لو لم تكن هناك قبائل "هن" لما كانت الإمبراطورية الرومانية قد سقطت. كان هذا هو رأي كثير من المؤرخين، بيد أن المؤلف، وهو من المتخصصين في تاريخ الإمبراطورية الرومانية والحروب "البيونية" وتاريخ "يوليوس قيصر"، يرى عكس ذلك، وهو أن الخطوة القاتلة التي أقدم عليها الأباطرة الرومان المتأخرون، هي أنهم قد جعلوا مركز سلطتهم وهو مدينة "روما" وحكومتهم الخبيرة ممثلة في مجلس الشيوخ غير ذات صلة. وقد حدث ذلك عندما انهار نظام التراتب الوراثي في الحكم عام 192 ميلادية، بعد ولاية الإمبراطور "كوموداس"، مما فتح الباب أمام جنرالات الجيش للتدخل. وهؤلاء الجنرالات لم تكن تهمهم مصلحة الإمبراطورية، ولم يكونوا يهدفون إلا إلى مصلحتهم الذاتية واستبقاء سيطرتهم على مقاليد الحكم لأطول فترة ممكنة. وقد أدى التنافس القائم بينهم إلى انخراطهم في عدد من الحروب الأهلية المتعاقبة التي أنهكت جيوشهم وأضعفت ولائها لروما، وتركتهم غير قادرين على التعامل مع التهديدات التي تتابعت في حينه. وتفاقمت هذه المشكلة بعد أن أصبح عدد الأباطرة ثلاثة وليس إمبراطوراً واحداً. وكانت العاصمة السياسية للإمبراطورية تنتقل تلقائياً إلى المنطقة التي يحكمها الإمبراطور الأقوى مما أدى إلى افتقاد الجميع لذلك الشعور بوحدة الهدف والمصير الذي كان يميز الإمبراطورية في أوجها. بمعنى آخر، يمكن القول إن الفساد قد بدأ من الرأس، ثم انتشر إلى الجسد. وفي نهاية الكتاب، يقول المؤلف إنه يعرف جيداً أن الكثيرين سيعارضون طرحه، وسيقولون مثلاً إن الجيوش التي كانت موجودة في السنوات الأخيرة للإمبراطورية لم تكن تقل من حيث الكفاءة ولا الشجاعة ولا العدد عن مثيلتها إبان ازدهار الإمبراطورية، وأنها لم تتأثر بفساد الرأس... بيد أنه مقتنع بصحة طرحه، وواثق أن هذا الطرح سوف يفتح الباب لمزيد من النقاش حول هذا الموضوع الجدلي. ولوضع نقطة النهاية على كتابه، يقول المؤلف إن العالم يحتاج حالياً إلى قادة أقوياء مثلما كانت الإمبراطورية الرومانية في حاجة إليهم، وأن هذا الاحتياج يتبدّى واضحاً في تنامي ظاهرة "أوباما مانيا"، أي الولع بأوما والتي لا تقتصر على الولايات المتحدة وإنما تجد تجسيداً لها في بقاع مختلفة من العالم. ما يمكن قوله في نهاية هذا العرض أن هذا الكتاب يختلف كثيراً عن تلك الكتب التي كتبها مؤلفون آخرون عن الإمبراطورية الرومانية وسقوطها؛ لأنه يقدم أدلة متنوعة على صحة طرحه، ولا يعتمد على الطريقة التي اعتمدها مؤرخون آخرون، وهي عرض حوليات الإمبراطورية والتأريخ لأحداثها وكأنهم يقدمون كتباً مدرسية في التاريخ وليس كتاباً يدرس الظواهر ويحلل أسبابها. سعيد كامل ------- الكتاب: سقوط الغرب: الموت البطيء للقوة العظمى الرومانية المؤلف: أدريان جولدورثي الناشر: وايدن فيلد آند نيكلسون تاريخ النشر: 2009