ما بين ضجة وفاة خبير الأسلحة البريطاني الدكتور ديفيد كيلي، وصعقة تقرير رئيس لجنة البحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقية ديفيد كاي، يعيش رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الأميركي جورج بوش أسوأ أيام حكمهما، مع الرأي العام في بلديهما ومع المؤسسات التشريعية من مجلس عموم وكونجرس، لمبالغتهما أولاً في تصوير قدرات الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين العسكرية، ولاصرارهما ثانياً على خوض الحرب انطلاقاً من هذه الذريعة، التي تبخرت أدلة اثباتها، كما تبخر النظام العراقي السابق يوم التاسع من ابريل الماضي·
هذه الضجة وتلك الصعقة، قد لا يتجاوز اثرهما 10 داوننج ستريت والبيت الأبيض، وقد تحيلان منام بلير وبوش الى أرق، وتقللان من فرص بقائهما في منصبيهما لفترة أخرى، لكنهما لن تغيرا من واقع الحال في العراق، الذي شهد في حلبجة العام 1988 كيف طرقت بغداد صدام بنكرها هناك، وأحالت سكانها الى وحل، ومائها الى وشل، وتمرها الى دقل، ولصها الى بطل! وعلى هذا فإن العراقيين ليسوا بحاجة الى لجان تثبت لهم امتلاك النظام السابق لأسلحة التدمير الشامل، فقد كانوا حقل تجارب لها، وما زالوا يعيشون خطر المخبوء منها، وخطر المنهوب منها، وخطر المتروك منها بلا حراسة وحماية؟
المواطن العراقي لا يهمه ما اذا كان كيلي قضى انتحارا ام كمدا، ولا يهمه ما اذا كان كاي صادقاً أم كاذباً، فقد انزاح النظام السابق عن كاهله، ومضى ازلامه الى حالهم الا مَنْ أبى واستكبر، فهو مطارد وملاحق الى النهاية المحتومة، ما يهم المواطن العراقي الذي يواجه واقعا مأساويا ومستقبلا سوداويا، استرداد سلطته المنقوصة لإدارة شؤونه بنفسه دونما تدخل من أحد، واستعادة سيادته المصادرة على كامل ترابه الوطني، قبل ان يطول الأرق، ويسقط الشفق، ويكثر اللثق.
ان الاسراع بتلبية الحاجات الاساسية للمواطن العراقي في الوقت الحالي، هو السبيل الوحيد لابعاد المخاطر التي تحدق بالعراق وبالمنطقة والعالم ايضاً، لأن ترك الحبل على الغارب من شأنه افساد كل ما انجز، وجلب مشاكل جديدة يصعب حلها، فما بين ضجة لندن وصعقة واشنطن تختبئ فتن تتربص بالعراق وبالمنطقة وبالعالم اجمع.