ارتفاع حرارة الأرض ليس أمراً سيئاً على الدوام وبالضرورة، فقد أعلن علماء آثار بريطانيون، الاثنين الماضي، أن ارتفاع حرارة الأرض لفترة استمرت 400 سنة في أميركا الجنوبية، ساهم في صعود وازدهار "الأنكا"، حيث ساعدهم على إنشاء أكبر إمبراطورية في تاريخ القارة على الإطلاق. وفي هذا الإطار، يقول عالم البيئة "أليكس تشبستو لاستي" من "المعهد الفرنسي لدراسات الأنديز" في ليما في دورية "كلايمت أوف ذا باست" (مناخ الماضي) إن ارتفاع الحرارة ببضع درجات سمح لشعب "الأنكا" بالانتقال إلى مناطق أكثر ارتفاعاً في جبال الأنديز، واستغلال أراض زراعية جديدة، كما وفر مصدر مياه نتيجة الذوبان التدريجي للكتل الجليدية الضخمة في قمم الجبال. ويقول "لاستي" في حوار معه عبر الهاتف: "لقد كانوا جد منظمين وكانت لديهم إدارة متطورة لشؤون الحكم، لكن ذلك، على أهميته، ما كان ليجدي نفعاً لو أن درجة حرارة المناخ لم ترتفع". غير أن خبراء آخرين أبدوا حذراً إزاء هذه القراءة، ومن هؤلاء عالم الآثار مارك بوش من "معهد فلوريدا للتكنولوجيا" في ميلبورن، والذي يقول "إن الفكرة القائلة إن توسع إمبراطورية الأنكا كان نتيجة تغير المناخ، فكرة ثورية"، لكن إثباتها سيتطلب الكثير من العمل من قبل علماء الآثار وعلماء البيئة على حد سواء. ومهما يكن، فإن البحث الجديد يكتسي أهمية كبيرة؛ لأن "المعلومات والمعطيات حول مناخ الأنديز خلال هذه الفترة قليلة ونادرة"، كما يقول عالم الآثار "وارن تشرتش" من جامعة "كولومبوس ستيت يونيفيرسيتي" في جورجيا، والذي يضيف قائلاً: "من المهم أن نتذكر أن المناخات لا تصنع الإمبراطوريات، بل البشر هو الذي يصنعها". ويدرس "تشبستو لاستي" وعالم الجغرافيا "ميك فروجلي" من جامعة "ساسيكس" وزملاؤهما، عينة طينية بعمق نحو 8 أمتار استخرجت من ثقب في بحيرة ماركاكوتشا المقدسة بوادي باتاكانتشا، قرب مدينة كوسكو جنوب البيرو. وترسم البذور والغبار وجزيئات الفحم النباتي وغيرها، في طبقات متتالية من العينة المستخرجة، صورةً عن المناخ والزراعة في المنطقة قبل 4000 سنة. وقد أظهرت التحاليل المخبرية التي أُجريت على العينة أن فترة جفاف قاسية شهدتها المنطقة في حدود العام 880م ودامت نحو 100 عام. وذاك الجفاف، مثلما يرجح لاستي، قد يكون السبب في موت إمبراطورية "واري" التي وجدت بين عامي 550م إلى 1000م. واعتباراً من حوالي عام 1150، بدأ المناخ يزداد دفئاً وارتفعت الحرارة أخيراً ببضع درجات مئوية، كما يقول لاستي. وكان من تأثيرات ذلك أن توسعت المناطق الزراعية وامتدت إلى مناطق جبلية أكثر ارتفاعاً بنحو 274 متراً، مما أدى إلى توسع زراعي كبير. كما يتوقع أن يكون ذلك سبباً في ذوبان الكتل الجليدية البيروفية الضخمة، مما وفر الماء الذي كان يحتفظ به سكان الأنكا بواسطة أنظمة ري وأسطح زراعية على المرتفعات. وحسب لاستي، فإن الدليل الرئيسي على ارتفاع الحرارة كان هو ظهور أشجار شبيهة بأشجار "جار الماء" (alder) التي لم تشاهَد في المنطقة من قبل، إضافة إلى نشاط أكبر للحشرات. يذكر أن الأشجار التي تنمو عادة في المناخات الدافئة، تنمو بشكل جيد في التراب قليل الخصوبة وتخصّبه عبر تحويل النيتروجين من الجو إلى شكل مفيد. كما يعتقد الباحثون أن ازدياد النشاط الزراعي أدى إلى محاصيل كبيرة جداً وفوائض من الذرة والبطاطس، مما ممكن سكان الأنكا من التفرغ لأنشطة أخرى مثل بناء المعالم التاريخية والطرق وإنشاء جيش كبير سمح لهم بغزو الشعوب المجاورة. وبحلول الوقت الذي وصل فيه الإسبان إلى المنطقة عام 1533، كان الأنكا يبسطون سيطرتهم على منطقة تمتد من الحدود الكولمبية الحالية مع الإكوادور إلى وسط الشيلي، يعيش فيها أكثر من 8 ملايين نسمة من السكان. وحين وصل الإسبان، لاحظوا أن لدى الأنكا من الطعام في المخازن ما يكفيهم لـ10 سنوات. لكن إمبراطورية الأنكا انتهت بعد قدوم الإسبان الذين جلبوا معهم أمراضاً قضت على السكان المحليين، مما سمح للغزاة بغزو من ظلوا على قيد الحياة ودفعوهم إلى المناطق المرتفعة، حيث مازالوا مهمَّشين اقتصادياً. وحسب لاستي، فإن هذه القصة تنطوي على درس مهم لحاضرنا، ذلك أن البيرو تعد من البلدان الأكثر تعرضاً لآثار ارتفاع حرارة الأرض؛ ولأن الكتل الجليدية الضخمة التي تمد العاصمة ليما بالماء تذوب بوتيرة سريعة ومن المتوقع أن تختفي في غضون عشرين عاماً. كما أن الأسطح التي كانت تحتفظ بالماء من قبل لأغراض زراعية تعرضت للإهمال ولم تعد تُستعمل، وشجرة الأكاليبتوس التي تنتشر في المنطقة تشفط ما تبقى من ماء في التربة، بينما تقوم مادة الراتينج التي تفرزها بتسميم النباتات الأخرى. لذلك، فقد دعا لاستي إلى إزالة أشجار الأكاليبتوس والشروع في عملية كبيرة لإعادة تشجير "جار الماء" أو أشجار مماثلة، إضافة إلى إصلاح أنظمة الري المهجورة حتى تدعم الزراعة مرة أخرى. غير أن "تشرتش" الذي يعمل في البيرو أيضاً، حذّر من أنه في غياب مزيد من البحوث، فإن مثل هذه المقاربة يمكن أن تكون "خطيرة وسابقة لأوانها". ------ توماس مو الثاني كاتب متخصص في الشؤون العلمية ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"