مفهوم الحداثة، بوجه عام، هو مفهوم مشّكلْ بالمعنيين التاريخي والمعرفي، إلى درجة يكاد يستحيل فيها اليوم أن نجد له تعريفاً موحداً، جامعاً مانعاً. فإذا كانت هذه الصعوبة تواجهنا في السياق التاريخي لنشوء المفهوم، فليس أقله أن تكون مقاربة المفهوم، على الصعيدين التاريخي والأيديولوجي للإسلام، أكثر تعقيداً وأشدّ إشكالاً. إن السياق التاريخي الذي قاد الغرب إلى ما وصل إليه، لم تزل العديد من المجتمعات الإسلامية بعيدة عنه. وهو وضع يمكن تسميته، باستخدام عبارة هابرماس، "تعاصر اللامتعاصرات"، إذ تبدو المجتمعات الإسلامية معاصرة للغرب الحداثي، على الصعيد الجغرافي، وعلى صعيد استهلاك المنتجات التقنية للحداثة، دون أن تكون كذلك على المستويات الأخرى. وتلكم هي المفارقة الكبرى والمألوفة جداً. هنالك سخط أيديولوجي مسبق إزاء الحداثة ومفهومها، يصاحب الخطاب الإسلامي في هذه المجتمعات، يتخذ ردّات فعل عنيفة في أحيان عديدة. وأحيان أخرى تجابه الحداثة بمصدّات أيديولوجية قوامها النزعات الخلاصية العتيقة التي لا تخلو من الفزع الثقافي والأخلاقي المسرف... ما يكشف هشاشة تلك المجتمعات وعجزها عن الصمود في وجه دوّامة التغيير التي تكتنفها. إن القوة المركزية، الجاذبة والساحقة، لتلك الدوامة لا تبقي على شيء، بمنأى عن صيرورتها، إذ تحدث تصدعات وشروخاً في العمق والسطح، وتكشف النقاب عن عمق هوة التفاوت في البنى والمؤسسات والرؤى والمعايير. إن الوعي المعبر عنه في الخطاب الفكري والعقدي للجماعات والأفراد والمؤسسات الإسلامية، يعكس إلى حدّ كبير الكيفية التي يدرك بها العالم وصيرورته. وهو مطبوع بطابع الحيرة والقلق والتشاؤم والعدمية وعدم الثقة بالمستقبل. ذلك أن هذا الوعي لا يجد الحياة المثلى في الحاضر أو المستقبل، وإنما يتخذ العودة إلى الوراء سبيلاً للسير إلى الأمام. ومن نافلة القول، إن هيمنة الحداثة الفكرية والعلمية والتقنية، وحتى السياسية والأخلاقية، غدت أمراً مسلماً به، وبداهة معيشة في عالم اليوم. ولدى مقابلة الوعي الإسلامي بالحداثة، نجد أنفسنا مدعوين إلى الانحياز لتجلياتها الغربية وخصائصها دون الانقياد الأعمى لها، ذلك لأنها تمثل النموذج الكوني الأكثر تقدماً. وهي تتجلى لنا من خلال السمات الأبرز والمعايير التالية: - طغيان النزعة العقلية الصارمة. إن الاستعمال التام للعقل يجب أن يكون حراً على الدوام، كما كان كانط يقول، وغير محدود أو مقيداً بزمان أو مكان. وبالمقابل، فإن الوعي الإسلامي "الحديث" يقيّد استعمال العقل الإنساني، لافتقاره إلى الثقة بالعقل والشجاعة في استعماله. ويكرس قيم الطاعة والخضوع بتقييد حرية استعمال العقل. - نشوء التصور الكوزمولوجي الجديد للكون. وهو تصور يقوم على رفض التفسير الغائي للطبيعة والعالم، ويهدف إلى تأكيد سيطرة الإنسان على العالم الطبيعي، بحيث غدت الطبيعة موضوعاً للفعل الإنساني وغاية لتحقيق مزيد من الحرية والسعادة... وبموازاة ذلك، فإن الإيمان بالعالم الطبيعي، هذا الإيمان الجديد الذي حملته الحداثة تضمن تحولاً جوهرياً من القيم الأخروية إلى القيم الأرضية. من هنا تعين على البشر تفسير ظواهر العالم باستكشاف عللها المادية الأصلية، لا عللها الغائية المقحمة في الطبيعة. - بالاتساق مع القناعة السابقة، صارت الممارسات الإنسانية، في بعديها السياسي والاجتماعي، تتم بمعزل عن التدين أو المقاصد الدينية، واختفت المعايير المقدسة العليا أو الوصايا التي كانت تستبد بالمصير السياسي والاجتماعي للإنسان. فقد حلّ الإيمان بالإنسان ومركزيته، بحيث أصبح معيار الأشياء جميعاً، إنه الغاية والوسيلة معاً. - الحداثة في أحد مظاهرها الرئيسة تعدّ اعترافاً بأن الإنسان هو سيد مصيره وسيد العالم في آن. وتمثل انعتاقاً متواصلاً للإنسان تجاه الموروث وسلطة التقليد والتنظيم الاجتماعي. وهي تعادل الحرية الفردية والمساواة، وتقدس حياة الفرد ومبادراته الحرة. في حين أن خصوم الحداثة يراهنون على القبول بالموروث والتقليد، والخنوع لسلطة الجماعة، والخضوع للنظام الاجتماعي التراتبي الأبدي. - الحداثة هي، بمعنى من المعاني، تفكير في التاريخ الواقعي ومن خلال التاريخ. هي تحوّل من المعايير الأخروية إلى المعايير التاريخية، ومن النزعات الخلاصية الماضوية إلى البحث المتفائل والتقدم غير المحدود في التاريخ. إن ما يميز المفهوم الحداثي للتاريخ، طبقاً لـهيجل وماركس، هو حركيته وصيرورته المحطمة لكل ما هو ثابت وأزلي ومقدس. والحال أن ركود التاريخ هو الوضع الأمثل بالنسبة للوعي الديني الذي لا يعترف بموضوعية التغيير وحتميته إلا طبقاً لمشيئة مفارقة لهذا العالم. -------- د. سربست نبي باحث وجامعي من سوريا -------- ينشر بترتيب مع مشروع "منبر الحرية"