كان طبيعياً أن يحدث هذا: أي أن تهبط معدلات التأييد الشعبي المرتفعة التي كان يحظى بها الرئيس أوباما، هنا في الولايات المتحدة وفي الخارج على حد سواء. وأسباب هذا الهبوط واضحة جداً. فقد تولى أوباما المنصب الرئاسي إثر حملة انتخابية باهرة، سواء من ناحية خطابيتها وبلاغتها أم من ناحية الوعود الكبيرة التي أُطلقت خلالها. أضف إلى ذلك أنه صعد إلى سدة الحكم عقب انتهاء ولاية أكثر رؤساء أميركا إثارة للجدل وأقلهم شعبية في التاريخ الحديث. كما تمتع أوباما بكونه أول رئيس أميركي من أصل أفريقي، فضلاً عن تساميه على الانتماءات العرقية، وتجاوزه لمرارات ذويه من الأفارقة الأميركيين. لكنه ورث اعتباراً من يوم 20 يناير 2009، اقتصاداً قومياً يعاني إحدى أسواء أزماته وفترات ركوده التي شهدها منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وبدا حينها الأفق كالحاً وكان لا مناص من تدخل الدولة لإنقاذ الاقتصاد القومي من شفا الانهيار. إلى جانب ذلك، ورث أوباما حربين مستمرتين بالتزامن في أفغانستان والعراق. يذكر أنه كان قد عبر عن معارضته القوية للحرب الجارية في العراق أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، بيد أنه دعا إلى زيادة عدد القوات في أفغانستان. وكان أول قرار جريء يتخذه إثر توليه مهامه الرئاسية هو تبني خطة الحفز الاقتصادي التي قصد منها توفير ما يقارب 800 مليار دولار لدعم النظام المالي والقاعدة الصناعية للبلاد، وكذلك العائلات الأميركية متوسطة الدخل. وقد كانت تلك الخطة مثيرة للجدل بسبب الإضافات الكثيرة التي حدثت لها من قبل أعضاء الكونجرس أثناء مناقشتهم لمسودتها باتجاه تحويلها إلى وثيقة تشريعية. والملاحظ أن بعض تلك الإضافات لم تكن لها أي صلة بالحفز الاقتصادي المباشر الذي وضعت الخطة من أجله. وكان ذلك سبباً في إثارة غضب ما يعرفون بـ"صقور العجز الاقتصادي" وما أكثرهم في كلا الحزبين الرئيسيين، "الجمهوري" و"الديمقراطي"، وهم يعرفون بمواقفهم التقليدية الثابتة المعارضة للميزانيات الضخمة التي لا يصحبها انخفاض موازٍ في حجم الإنفاق. ورغم العقبة الكبيرة التي مثّلها هؤلاء الصقور، تمكن أوباما بفضل "كاريزميته" وبراعته من تحييد الكثيرين منهم، بما يؤمّن تمرير التشريع الخاص بخطة الحفز الاقتصادي التي تبناها، رغم عدم حصول التشريع على تأييد ثنائي حزبي داخل الكونجرس. فلم يؤيد تلك الخطة سوى ثلاثة فحسب من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، بينما لم يؤيدها جمهوري واحد من أعضاء مجلس النواب. ثم تلت تلك الخطوة، خطوة أخرى جريئة اتخذها أوباما بزيادة عدد الجنود الأميركيين المقاتلين في أفغانستان، مصحوبة بتبني استراتيجية جديدة أشد استهدافاً لعناصر التمرد في كل من أفغانستان وباكستان. وبموجب تبنيه لتلك الاستراتيجية، فقد أكد أوباما عملياً نسبة الحرب الجارية هناك إلى إرثه الرئاسي، بكل ما تعنيه نسبة الحرب تلك من ارتفاع لا بد منه في عدد القتلى من الجنود الأميركيين. وبالفعل، شهد الشهر الماضي ارتفاعاً بين عدد الجنود هو الأعلى منذ اندلاع الحرب في أفغانستان في عام 2001. ورغم حفاوة الاستقبال الذي حظي به أوباما أثناء جولاته الأوروبية عقب توليه المنصب الرئاسي، فإنه لم يوفق في إقناع بقية الدول الحليفة في "الناتو" -باستثناء بريطانيا- بإرسال مزيد من الجنود المقاتلين إلى أفغانستان. ومما لا ريب فيه أنه سوف تكون هناك تداعيات سياسية كبيرة على الولايات المتحدة الأميركية لتردد الأوروبيين وامتناعهم عن إرسال مزيد من جنودهم المقاتلين إلى أفغانستان. وفي جبهات أخرى ذات صلة بسياسات بلاده الخارجية، أطلق أوباما عدداً من التصريحات الجريئة الهادفة إلى إعادة صياغة علاقات بلاده مع روسيا، إضافة إلى تحريك سكون عملية السلام الإسرائيلي -الفلسطيني. لكن، ورغم التصريحات والجهود العملية التي بذلت، فإن ما أُنجز منها فعلياً يظل محدوداً جداً. بل بدا أن خطاب القاهرة الشهير، والذي طالما أحسن أوباما صياغته وحظي بانتشار واسع النطاق بسبب مخاطبته للعالم الإسلامي، قد فقد بريقه الآن. ورغم إيجابية نتائج الانتخابات اللبنانية الرئاسية التي جرت في السابع من يونيو المنصرم، والتي نُظر إليها على أنها انتصار للقوى المناهضة لإيران والمتحالفة مع الغرب، فإنه لم تتضح بعد آفاق سياسة الحل التي تتخذها واشنطن في مواجهة تفاقم الأزمة النووية الإيرانية، خاصة أن هذه الأزمة تتجه نحو بلوغ ذروة خطورتها فيما يبدو. وعلى أية حال، فإن أشد الأزمات السياسية خطورة، والتي يواجهها أوباما الآن، هي خططه الرامية إلى إصلاح نظام الرعاية الصحية الأميركي، المعروف بتكلفته الباهظة ونقص كفاءته في الوقت ذاته. ومن المعلوم أن إصلاح نظام الرعاية الصحية يمثل أحد أهم أولويات إدارته. ومنذ حملة سلفه بوش، تعهد أوباما بتفادي إدارته للأخطاء التي وقعت فيها إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، خاصة تلك المتعلقة بفشل مبادرة إصلاح نظام الرعاية الصحية التي تبنتها في عام 1993. ومن أجل تحقيق وعده وتعهده، مضى أوباما في استشارات ولقاءات واسعة مع العاملين في مجال الرعاية الصحية: مهنيون طبيون، مسؤولو شركات التأمين، ممثلون لشركات الصيدلة وصناعة العقاقير الطبية، المستشفيات، أصحاب الأعمال الصغيرة والكبيرة، الجهات العاملة على توفير الرعاية الصحية، فضلاً عن مسؤولي الولايات والنقابات والاتحادات المهنية. ورغم اتفاق جميع هذه الجهات، دون استثناء، مع أوباما على أهمية إصلاح نظام الرعاية الصحية، فإنه لم يتحقق حتى الآن أي إجماع على الكيفية التي يتم بها هذا الإصلاح. وليس مرجحاً نجاح أوباما في تمرير تشريع خاص بإصلاح الرعاية الصحية خلال موسم الصيف الحالي، بسبب معارضة ما يسمى "الكلاب الزرق" من الديمقراطيين الذين يأخذون على مقترحات الإصلاح المقدمة، ضخامة تكلفتها. على أن هذا لا يمنع توصل أوباما، في نهاية الأمر، إلى تمرير تشريع خاص بإصلاح نظام الرعاية الصحية. غير أنه سوف يتحتم عليه العمل من أجل خفض عجز الميزانية العامة، في وقت تستمر فيه حاجة الاقتصاد القومي للحفز والدعم. وفيما لو تمكن أوباما من خفض تكلفة الرعاية الصحية إجمالاً خلال عامه الرئاسي الأول، مع توفير مزيد من الضمان الصحي لمواطنيه، وفيما لو تحسن الأداء الميداني في حرب أفغانستان لصالح الجنود الأميركيين، فسوف يكون في وسع أوباما الحفاظ على منصبه قائداً أعلى قوي الشكيمة لأميركا. وهذا هو الاختبار الأول والحقيقي الذي يخضع له أوباما منذ فوزه بالمعركة الانتخابية. وعليه أن يستثمر موسم الصيف الحالي في تأمل هذا الاختبار.