500 مواطنة تقدّمن للعمل كمشرفات حافلات مدرسية في مدينة العين، خلال العام الدراسي المقبل.. هذا الرقم يستحق وقفة ليس فقط لضخامة الرقم مقارنة بما هو مطلوب فعلياً لشغل الوظيفة، وهو 40 مشرفاً ومشرفة، بحسب ما ورد في تقرير صحيفة "الاتحاد"، يوم الأربعاء الماضي، نقلاً عن مسؤولي فرع "مؤسسة الإمارات للنقل والخدمات" في العين، ولكن أيضاً لأن هذا الكمّ الكبير من طلبات المواطنات يعكس أموراً إيجابية عدّة تحسب للمرأة الإماراتية وتسجّل ضمن رصيد جهودها الفاعلة على صعيد العمل والإنتاج والإسهام في مسيرة التنمية بالدولة. أن تتجه نحو 500 مواطنة إلى التنافس على شغل وظيفة مشرفة حافلة، فهذا يعني بالدرجة الأولى نسفاً قاطعاً لما يروّج في أحيان كثيرة بشأن وجود إعراض من جانب القوى العاملة المواطنة عن القبول بوظائف معيّنة، وأن هناك أسباباً ثقافية وصوراً نمطية سلبية مازالت تحكم قرار العمل وقبول وظائف دون أخرى، فالمواطنات اللاتي تقدّمن لهذه الوظيفة تجاوزن هذه القوالب الجامدة وسعين بجديّة إلى الالتحاق بعمل يدركن جيداً أنه يقدّم إسهاماً إيجابياً للمجتمع بغضّ النظر عن طبيعته، وغير ذلك من تقديرات قاصرة للأمور. إن هذا الإقبال ينطوي على أكثر من معنى، ويمكن قراءته من أكثر من زاوية، فهو يعكس أيضاً وجود نقص في الوظائف المتاحة أمام المواطنات في العين، ويؤكّد أن هناك حاجة إلى تكثيف الجهود من جانب الجهات الرسمية المعنية لاستيعاب هذه الطاقات النسائية الساعية إلى الإسهام في مسيرة العمل والإنتاج، خاصة أنه في الوقت الذي شهد إقبال نحو 500 مواطنة لشغل وظيفة مشرفة حافلة مدرسية، كان هناك بالمقابل قصور لافت للنظر في معدلات إقبال الشباب المواطنين على شغل الوظيفة ذاتها والعمل كمشرفي حافلات، حيث نقل عن مسؤولين قولهم إن إقبال المواطنين على العمل كان ضعيفاً جداً، بحيث لم يتجاوز عدد المتقدّمين من الرجال أصابع اليد الواحدة. وهذا التناقض في معدّلات الإقبال بين الجنسين لا يعني بالضرورة وجود اكتفاء تامّ من فرص العمل المطلوبة للمواطنين في العين، وقد لا يعكس أيضاً تفاوتاً في النظرة الثقافية للعمل بين الجنسين (برغم أن هذا التفاوت قد يكون وارداً وليس مستبعداً بشكل مطلق)، ولكن الأرجح أن هذا التفاوت عائد بالأساس إلى حسابات واعتبارات اقتصادية ناجمة عن اختلاف طبيعة مسؤوليات الجنسين وحاجة الرجل في أحيان كثيرة إلى دخل مادي يفوق ما تحتاجه المرأة بحكم تباين المسؤوليات العائلية ومتطلّبات الحياة. بين الفينة والأخرى تظهر مؤشرات وشواهد على أن المرأة الإماراتية قد نجحت في تحقيق طفرة نوعية سواء في التعليم أو مجالات العمل كافة، حيث تنامى دور المرأة بشكل يعكس واقعاً فعلياً مضيئاً يبعث على الفخر والاعتزاز بإسهامات المرأة الإماراتية في التنمية، فليس غريباً أن تشكّل المرأة الإماراتية نحو 25 في المئة من قوة العمل، وأن تتبوأ 22.5 في المئة من مقاعد "المجلس الوطني الاتحادي"، و30 في المئة من الوظائف القيادية في الدولة و10 في المئة من أعضاء السلك الدبلوماسي ونحو 66 في المئة في القطاع الحكومي، فالإقبال على العمل ليس غريباً على المرأة الإماراتية، ويمكن ملاحظته في مواقع العمل والإنتاج كافة، إذ يلحظ الجميع أن دور المرأة ليس شكلياً ولا هو نوع من "الديكور الوظيفي" وأن عملها لا يستهدف الحصول على المال فقط، بل إن أداءها الوظيفي المتميّز في مختلف المجالات يعكس صورة ناصعة البياض ويؤكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ أن هناك رغبة ذاتية في العمل وإثبات الذّات والاستفادة القصوى من الفرص وعوامل التشجيع والتحفيز كافة التي تتيحها سياسات رسمية تفتح آفاق الأمل والعمل أمام دور نسائي أكثر رحابة في مجتمع يتطلّع إلى الاستفادة من طاقاته البشرية كافة في عملية التنمية. ومن المؤكّد أن هذا الحماس من جانب المرأة الإماراتية على العمل يعكس قدراً كبيراً من الإيجابية والإحساس بالمسؤولية، وهذا بحدّ ذاته أمر جدير بالتقدير والاحترام والتشجيع.