يقول المثل الإنجليزي "عندما تكون إرادة... تكون طريقة"، وانطلاقاً من روح هذا المثل تعاملت دولة الإمارات مع تداعيات الأزمة المالية العالمية، وذلك بإرادة قوية وحازمة تمثلت في العديد من الإجراءات والخطوات على كافة المستويات لمعالجة هذه التداعيات والتي كان آخرها قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بإنشاء صندوق الدعم المالي لإدارة العوائد الناتجة عن برنامج إصدار السندات البالغة قيمته 73.5 مليار درهم (20 مليار دولار) لمنح القروض والتسهيلات الائتمانية على أساس تجاري للجهات الحكومية وغير الحكومية التي تقوم بتنفيذ المشاريع الاستراتيجية والتطويرية في إمارة دبي. لقد كانت هذه الخطوات بمثابة الرد العملي على حملة التشويه التي قادتها بعض وسائل الإعلام الأجنبية التي بالغت كثيراً في انعكاسات الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد المحلي، حيث أثبتت التطورات عدم صحتها. في بداية الأزمة المالية العالمية قيل إن كافة المشاريع ستتوقف، وإن القطاع العقاري سينهار، إلا أنه وبعد عام تقريباً من بداية هذه الأزمة بدأ الاقتصاد المحلي في التعافي، وذلك قبل الاقتصادات العالمية الأخرى، وإن أهم المشاريع إما أنها استكملت، أو أنها في طريقها للاستكمال، إلا أن بعض المشاريع التي كانت في طور التبلور على الورق، من الطبيعي أن يتم تأجيلها حتى ينقشع غبار الأزمة. وعندما ثبت فشل ذلك، قيل إن آلاف السيارات مركونة في المطار بعد أن تركها أصحابها، وبما أنني مستخدم شبه يومي لطريق المطار، فإنني لم أرَ هذا العدد الكبير من السيارات المركونة، بل إن حركة المطارات كما بينت البيانات المنشورة عن النصف الأول من العام الجاري لمطاري أبوظبي ودبي تشير إلى نمو كبير في الاتجاهين، مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي 2008. وبعد أن انتهينا من هذه القصة وثبت عدم صحة هذه الرواية المفبركة، قيل ما عليكم انتظروا حتى شهر يونيو عندما تغلق المدارس أبوابها وسيختفي الأجانب من شوارع الإمارات ودبي تحديداً، فالجميع ينتظر انتهاء العام الدراسي ليرحل. ومر الوقت ونحن الآن على أبواب افتتاح عام دراسي جديد ولم نرَ شيئاً مما قيل، فالمجمعات التجارية عامرة على رغم حرارة الطقس وشدة الرطوبة، كما تتجه النية لافتتاح مدارس جديدة بسبب زيادة عدد الطلبة في العام الدراسي الجديد، أما الرسوم الدراسية فهي عند مستوياتها السابقة، بل إن بعضها ارتفع بنسب متفاوتة، مما لا يشير إلى انخفاض أعداد الطلبة. ولذلك، وبكل تأكيد، يمكن القول إن قوة الإرادة قد انتصرت على قوة الإشاعة والتشويه. صحيح أيضاً أن تداعيات الأزمة قد عمت العالم من أقصاه إلى أقصاه ولم تستثنِ أحداً، إلا أن الإمارات، ودول مجلس التعاون الخليجي، كانت الأقل تأثراً من تداعيات هذه الأزمة. وبالإضافة إلى الأزمة المالية العالمية، فإن أكثر من حاول الإساءة إلى الإنجازات التي تحققت غير مُلم، أو أنه يتجاهل طبيعة النمو الاقتصادي الذي يمر بما يسمى بالدورة الاقتصادية، إذ لا يوجد اقتصاد في العالم يسير باتجاه واحد فقط، فهناك فترات انتعاش ورواج وأزمات وكساد، وهذه نظرية عامة لا تختص باقتصاد دون غيره. وانطلاقاً من ذلك، فإن الجميع كان يعرف أن هناك مرحلة استقرار للقطاعات الاقتصادية، بما فيها القطاع العقاري، وذلك حتى بدون الأزمة، فالأمر له علاقة بقانون العرض والطلب، ومن ثم من الممكن أن تنخفض الأسعار بنسب معينة وفق آلية السوق لتعاود الانتعاش مع ارتفاع الطلب. والحال أن كل هذا غاب عن مروجي التقارير غير الموضوعية، وشاركتهم في ذلك بعض شركات التصنيف التي سارعت إلى تخفيض ملاءة البنوك والمؤسسات المالية دون وجه حق، علماً بأن أرباح البنوك المعلنة للربع الثاني من العام الحالي ازدادت، مقارنة بالربع الأول من العام، مما يعني أنها تجاوزت تداعيات الأزمة وحققت نتائج جيدة بشكل عام. وأما القطاع العقاري، فإن مستويات الإيجارات في الوقت الحاضر على سبيل المثال أصبحت مساوية لمستويات الإيجارات قبل سنتين، وهي مستويات جيدة، إذا ما قُورنت بالعائد على الاستثمار الذي يتراوح ما بين 10-12 في المئة سنوياً. ونظراً لهذه الحقائق والأرقام الموضوعية، وقبل ذلك نظراً للإرادة القوية، فقد بدأت الخطابات والتقارير السابقة تغير من لهجتها السلبية، وذلك بعد أن استنزف هذا الطرح قوته وسحب البساط من تحته بالعمل المتواصل والقرارات الرامية إلى معالجة تداعيات الأزمة. ولذلك، أعادت العديد من وسائل الإعلام تقييماتها السابقة، حيث أشار تقرير أصدرته مؤسسة "بروليدز" في شهر مايو الماضي إلى أن هناك 306 فنادق ستنفذ في دول مجلس التعاون حتى عام 2015 بقيمة 140 مليار دولار، وأن 60 في المئة منها ستكون في دولة الإمارات، مما يعني أن الأزمة العابرة ستعقبها فترة نمو في دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً أن أسعار النفط ستتجه للارتفاع في الأعوام القادمة، كما تشير إلى ذلك كافة التقارير المتخصصة في صناعة النفط. د. محمد العسومي