يتجدد الحديث عن ثورة يوليو 1952 في ذكراها السنوية، ومازال الجدل يحتدم بين أنصارها وخصومها. وقد تحول عدد من أكثر الأنصار حماساً للثورة لكي يصبحوا لها خصوماً ألداء، ومن بينهم من شارك بفعالية في التنظيمات السياسية التي أقامتها. ومن ناحية أخرى، تحول بعض الخصوم الألداء للثورة وقت قيامها، لكي يصبحوا من أشد أنصارها حتى بعد أن خبا الوهج الثوري، وانتفت شبهة الانتفاع. ولعل هذا الجدل المحتدم هو الذي يفرض سؤالنا الرئيسي الذي نثيره في البداية: كيف نضع الثورة في ميزان التقييم التاريخي؟ لقد سبق لنا أن طرحنا هذا السؤال عدة مرات من قبل، ولا بأس من تأكيد الأجوبة التي سبق لنا أن صغناها رداً عليه. لا بد أن نستند إلى منهج تاريخي نقدي. وهذا المنهج التاريخي -بحسب التعريف- لا يقنع بسرد الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وإنما يكشف عن التفاعلات العميقة التي دارت في أعماق المجتمع المصري منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى عام 1952. وإذا قارنا بين هذا المنهج والطريقة التي يصور بها هذه الأيام المجتمع المصري قبل الثورة، على أساس أنه كان العصر الذهبي لليبرالية الاقتصادية والتعددية السياسية والازدهار الفكري، فلن تكون المقارنة في صالح هذه الكتابات التي نطالعها الآن بأقلام شتى، أقسم أصحابها على خيانة الحقيقة التاريخية، وصمموا -نتيجة دوافع شتى- على تزوير الوقائع، أو انتزاعها من سياقها، أو استنادها لحجج بالغة السذاجة، وبمنطق متهافت. وبعضهم من دعاة الثأر التاريخي، ممن قضت الثورة على أحلامهم في الوثوب إلى السلطة لصبغ المجتمع بصبغة دينية، رأوا فيها الوسيلة المثلى لتأسيس الدولة الدينية. وفريق آخر كان قد صمم حياته على ممارسة السلطة السياسية سواء في ظل حزب الغالبية أم أحزاب الأقلية، بكل ما في السلطة من جاهٍ وامتيازات. غير أن الفريق الثالث الذي يشنّ هجوماً كاسحاً على الثورة، يبعث مسلكه على الدهشة البالغة؛ لأن أغلب أعضائه ممن فتحت لهم الثورة أبواب التعليم والعلم والثقافة والصعود الاجتماعي بكل صوره، ولولاها لظلوا في دائرة الهامشيين إلى أبد الآبدين! إلى أي حد يتفق تشويه صورة الثورة مع الحقيقة؟ في ضوء عبارة ساخرة صاغها أحد الكتاب، تقول: "دعونا نثبت الوقائع أولاً قبل أن نعمد إلى تشويهها"! لا بد من الانطلاق من توصيف المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في مصر قبيل الثورة، حتى نضع أيدينا على حركة التاريخ، قبل أن ننغمس في تأويل هذه الوقائع، في ضوء أهوائنا ونزعاتنا، أو في تفسيرها علمياً في ضوء اعتبارات النزاهة الفكرية وقواعد الموضوعية العلمية. ولا نبتعد عن الحقيقة كثيراً إذا ما لخصنا المشهد المصري الذي استمر من عام 1945 حتى عام 1952 بعبارة جامعة، مفادها أن احتدام الصراع السياسي والطبقي في مصر من ناحية، والمواجهة مع المحتل الإنجليزي من ناحية ثانية، تحول إلى موقف ثوري، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معانٍ في علم الثورة. ويمكن تلخيص عناصر ومكونات الموقف الثوري في عدد من المؤشرات التي لا نعتقد أن أي مؤرخ منصف، أو باحث موضوعي يمكنه أن يختلف حولها. 1- أهم هذه المؤشرات هو احتدام الصراع مع سلطة الاحتلال الإنجليزي. ولم تستطع الأحزاب السياسية المصرية في هذا الوقت، أن توحد جهودها في إطار جبهة وطنية متماسكة، لمواجهة المحتل الغاصب باستراتيجية انعقد عليها الإجماع الوطني. واشتعل الموقف بعد ذلك. 2- المؤشر الثاني هو تآكل صدقية النظام، وتدخله في الحياة السياسية، وأحزاب سياسية أضاعت قوتها واستنفذت طاقاتها في صراعات حزبية عقيمة، خصوصاً بين حزب "الوفد" وأحزاب الأقلية. ويكفي أن نذكر بهذا الصدد أنه قدمت للبرلمان -بمجلسيه- ثلاثة مشروعات للإصلاح الزراعي، رفضت جميعها. 3- المؤشر الثالث هو ازدياد الفجوة الطبقية بين الأغنياء والفقراء، مما أحدث خللاً عميقاً في البناء الاجتماعي، وأدى إلى توترات حادة، تصاعدت في شكل هبّات شعبية عنيفة في الريف، ومظاهرات طلابية صاخبة. 4- المؤشر الرابع هو تصاعد حدة ونبرة النقد الاجتماعي، التي تتراوح بين قطبين الأول إصلاحي، يدعو إلى الإبقاء على النظام بشرط ترميمه وإصلاحه، والقطب الثاني ثوري يدعو إلى التغيير الجذري الشامل للنظام القائم، وإعادة بنائه على أسس وقيم جديدة. وبين هذين القطبين المتطرفين كانت هناك مواقف وسطية شتى ومتعددة. 5- نتج عن موجة النقد الاجتماعي العميقة التي انطلقت من اليمين واليسار ملامح مشروع وطني، كان أبرزها: الاستقلال الوطني وعروبة مصر وعدم الانحياز، والعدالة الاجتماعية، والحرية السياسية، والدعوة لتأميم قناة السويس، والإصلاح الزراعي. 6- المؤشر السادس ولعله أهم هذه المؤشرات جميعها؛ لأنه كان هو الباب الذي اندفعت منه الثورة رافعة أعلامها الخفاقة، أنه ليست هناك قوة سياسية قادرة على أن تؤلف تأليفاً خلاقاً بين عناصر المشروع الوطني للتغيير الاجتماعي، ولا على أن تقود المجتمع بناء على موجهاته ومبادئه. وكل هذه المؤشرات تثبت -بما لا يدع مجالاً لأي شك- تشكل موقف ثوري في مصر، احتدمت تفاعلاته على وجه الخصوص بين عامي 1950 و1952. ومن هذا الموقف الثوري، وبناء على تداعيات متتالية مسجلة في الدراسات التاريخية، هبت رياح الثورة، التي قادها "الضباط الأحرار"، وهم مجموعة من الشبان المصريين الذين تربوا في أحضان الوطنية المصرية بكل تقاليدها المجيدة، وبتأثير رموزها الساطعة: عمر مكرم، ومحمد عبده، وأحمد عرابي، وعبدالله النديم، ومحمد فريد، ومصطفى كامل، وسعد زغلول. وهذه المجموعة الوطنية الرائدة، الذين تطلق عليهم بعض الكتابات في الوقت الراهن "العسكر"، هم الذين قادوا أول تجربة مصرية حديثة في التغيير الاجتماعي المخطط، بعد أن فشل الباشوات والبكوات والأغوات في نقل مصر من التخلف إلى التقدم. هل كانت الثورة مجرد انقلاب عسكري قامت به حفنة من الضباط المغامرين، كما تحذلق في وصفها بعض أساتذة القانون الدستوري فور قيامها، ومثلما مازالت تصر على وصفها الكتابات الوفدية، والإخوانية؟ وهل صحيح أن الثورة حين قامت لم يكن لديها برنامج واضح المعالم؟ وهل كان هدف "الضباط الأحرار" مجرد تغيير النظام ثم الانسحاب بعد ذلك إلى الثكنات، كما تؤكد بعض المقالات التي لا تستند إلى أي دليل تاريخي؟ في تقديرنا أن الثورة حين هبّت، جاءت ومعها مشروعها الذي أسس شرعيتها التاريخية عبر الزمن ومن خلال الممارسة. ولولا هذا لما كانت سوى انقلاب عسكري. ولكن، من أين استمدت الثورة مشروعها، وما هي عناصره؟ الجواب بكل بساطة هو أن مشروع الثورة لم يكن سوى مشروع الحركة الوطنية للتغيير الاجتماعي. وإن العمل الإبداعي للثورة، أنها أكسبت هذا المشروع -بالتدريج وعبر الزمن، ومن خلال المحاولة والخطأ- التناسق الفكري الضروري لأي مشروع حضاري قومي. غير أن الأهم من ذلك أنها أنزلت المشروع من عالم الأفكار المجردة، والدعوات المطلقة، إلى أرض الواقع من خلال الممارسة. وقد أثبتت الممارسة الثورية المصرية أنها -كأي ممارسة تاريخية في العالم- لا بد لها أن تبتعد قليلاً أو كثيراً، عن المثل العليا والقيم المطلقة التي انطوى عليها المشروع؛ لأن في عالم الواقع، ليست هناك نظرية واحدة، أياً كان مصدرها، دينياً كان أو وضعياً، يمكن أن تطبق بصورة نقية خالية من الشوائب والأخطاء. ومن هنا كما أصابت الثورة، أخطأت، وأحياناً كانت الأخطاء جسيمة وفادحة وغير مبررة، ولعل أبرز أخطائها التلكؤ في الانفتاح السياسي والديمقراطي، بعد أن ثبت عدم فعالية صيغة التنظيم السياسي الواحد، وأهم من ذلك كله هزيمة يونيو 1967، التي كشفت عن خلل جسيم في بنية القيادة السياسية، التي لم تستطع أن تسيطر على جموح المؤسسة العسكرية. ولكن هل تنفي هذه الأخطاء أن ثورة يوليو وضعت مصر على مستوى القرن العشرين في مجال تحرير الإنسان من الاستغلال الطبقي، واسترداد الكبرياء الوطني في مواجهة الهيمنة الأجنبية، ومحاولة القضاء على التخلف من خلال جهود إبداعية في مجال التنمية، وتأسيس قوات مسلحة حديثة وعصرية، أثبتت قدرتها الفائقة على الدفاع عن التراب الوطني، كما ثبت في حرب أكتوبر 1973؟ ونستطيع أن نؤكد أنه لن تبقى فاعلة سوى مواقف الكتاب الذين لم يتحولوا، ليس بسبب جمود فكري، أو تعصب عقدي، ولكن لأنهم يؤمنون بأصالة النضال المصري. وأعضاء هذه الكتيبة المناضلة لن يكونوا أبداً منظرين لليأس، ولا داعين للاستسلام، ولكنهم بصمودهم أمام موجات الإرهاب الفكري والمادي، يفتحون أمام شعبنا المصري العربي في ظل تراثنا الزاخر في الوحدة الوطنية والقومية العربية والانفتاح الفكري، أبواب الأمل في غد مشرق سترتفع فيه رايات العقلانية، والعصرية والديمقراطية.