لم يحن الوقت بعد لشنّ هجومٍ عسكريٍ إسرائيليٍ على إيران، بخلاف ما ذهب إليه المبعوث الأميركي الأسبق لدى الأمم المتحدة جون بولتون في مقالة صارت مشهورة نشرتها "واشنطن بوست" في الثاني من شهر يوليو الجاري. وليس بولتون وحده هو الذي يعتقد أنه لا بديل عن حرب على إيران لمنعها من امتلاك القدرة على إنتاج السلاح النووي. آخرون، في أميركا وأوروبا، كتبوا أو تحدثوا في وسائل إعلامية عدة، معتبرين أن استخدام القوة ضد البرنامج النووي لطهران صار أكثر إلحاحاً بعد أزمة الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في 12 من يونيو الماضي. بولتون، والذي يعمل الآن "زميلاً كبيراً" في معهد "أميركان انتربرايز"، وغيره من دعاة ضرب إيران اليوم وليس غداً، ينتقدون الرئيس أوباما بشدة؛ لأنه مازال يسعى إلى الحوار والتفاوض. وهو يرى، في مقالته المثيرة للجدل، أن "الانتخابات المزورة والاضطرابات التي تبعتها أظهرت العيوب الاستراتيجية والتكتيكية في خطة أوباما"، لأسباب أهمها أن الأزمة أكدت في رأيه أن إيران لن تخرج من قبضة المتشددين، وأن أي حوار معها لن يجدي. وهذا هو الرأي السائد في إسرائيل الآن. لكن قراراً بحجم الحرب على إيران، لا يمكن اتخاذه في تل أبيب أو القدس المحتلة بدون ضوء أخضر من واشنطن. ورغم أن أوباما مازال راغباً في حوار مع إيران، فقد أعطاها فترة سماح قصيرة قد تنتهي قبل آخر سبتمبر المقبل، وتحديداً عند انعقاد القمة المقبلة لمجموعة العشرين. وهذه فترة قصيرة، خصوصاً في ظل أزمة داخلية تشغل إيران، وربما تربكها أيضاً. لذلك، فمن الطبيعي أن يتسع مجدداً نطاق الجدل السياسي والإعلامي حول إيران في الولايات المتحدة وأوروبا إلى الحد الذي دفع فيليب ستيفنز إلى وصف هذا الجدل، في مقالته المنشورة في "فايناشيال تايمز" في 7 يوليو الجاري، بأنه "هوس سياسي". وعلى مدى الأسابيع الستة الأخيرة، أخذ الجدل حول توقيت الهجوم العسكري الإسرائيلي على إيران يتجاوز السؤال عما إذا كان مثل هذا الهجوم وارداً في مدى زمني قريب. ومع ذلك، مازالت علامتا الاستفهام (هل ومتى) حاضرتين في قلب هذا الجدل، الذي أظهر أن لدى أنصار عدم تضييع الوقت في الحوار برنامجاً للعمل من أجل التعجيل ليس فقط بإعطاء إسرائيل الضوء الأخضر للهجوم، ولكن أيضاً لزج الولايات المتحدة ودول أوروبية في حرب جديدة. وكان هذا واضحاً في استغلالهم أزمة الانتخابات لتصعيد الضغط على أوباما، ليس فقط لاتخاذ موقف مساند للمحتجين حين كانوا في الشارع، ولكن أيضاً لتغيير سياسته تجاه إيران بشكل عام. أما المسألة التي شدّد عليها معارضو الحوار مع إيران، وسيواصلون إبرازها في الفترة المقبلة على الأرجح، فهي الطعن في شرعية الرئيس أحمدي نجاد، وبالتالي في سلامة الاتجاه الذي تسلكه إدارة أوباما عندما تعطى أولوية للحوار مع حكومته. ولمسألة الشرعية أهمية بالغة في العقل الغربي عموماً، والذي يختزن صورة سيئة لإيران أصلاً. والهدف هو أن تزداد هذه الصورة سوءاً، بحيث تغطي على المجادلة التي يطرحها أنصار الحوار مع إيران، وهي أن القرارات الكبرى في السياسة الخارجية لا تُتخذ في مؤسسة الرئاسة وإنما هي من صلاحيات المرشد الأعلى والمؤسسات التابعة له وفي مقدمتها مجلس الأمن القومي والحرس الثوري، وأنه لا أثر كبير بالتالي للانتخابات الرئاسية على هذه السياسة. وقد وضعت الحملة المعارضة للحوار مع طهران الرئيس أوباما، ومازالت، تحت ضغط يرمي إلى الحد من تأثير التفكير العقلاني الذي يميل إليه في معالجة القضية الإيرانية. كما تبغي هذه الحملة تحييد دور مراكز التفكير Think tanks التي تدعم خيار الحوار مع إيران، وترى أن هناك تضخيماً لخطرها، وتزود الإدارة الأميركية بتقارير تحمل هذا المعنى. ومن التقارير الأخيرة التي صدرت في هذا الاتجاه، تقرير مؤسسة "راند" المعروفة الذي نُشر قبيل انتخابات الرئاسة الإيرانية، وخلص إلى أن الاستراتيجية الأفضل بالنسبة إلى إدارة أوباما هي مزيج من الضغط والحوار. وذهب التقرير إلى عدم وجود تعارض بين فرض عقوبات دولية على طهران، عند الحاجة، والتواصل الأميركي معها من أجل توسيع مساحة المصالح المشتركة. كما لم يستبعد إمكانية إقامة شبكة أمنٍ إقليمية في الشرق الأوسط تضم إيران وتراعي متطلبات الدول العربية الصديقة لواشنطن. لكن الأمر بالنسبة لأنصار الحوار مع إيران في المؤسسة السياسية هو أبعد من ذلك بطبيعة الحال. فهم ليسوا فقط ضد المغامرة بحرب على إيران، لكنهم يختلفون أيضاً مع العودة إلى سياسة عزلها ومحاصرتها؛ لأنها تدعم القوى الأكثر تطرفاً في نظامها الحاكم وتتيح لها فرصة لتقوية نفوذها وتكريس هيمنتها على البلاد، فضلاً عن أنها تلحق ضرراً بالإصلاحيين وتضعفهم. وهكذا يتعرض الرئيس أوباما إلى ضغوط متعارضة من جانب أنصار الحوار مع إيران ودعاة الحرب عليها. ورغم أنه أكثر ميلاً إلى الحوار، فقد بدا أن موقفه المقتنع بأهمية التواصل اهتز حين كانت أزمة الانتخابات الرئاسية في الشارع. وظهر ذلك في أكثر من تصريح أدلى به. ومع ذلك، فقد حرص على عدم التصعيد، فظل موقفه تجاه الاضطرابات في إيران أقرب إلى الاعتدال، وأبعد عن التصلب الذي عبر عنه قادة أوروبيون في بريطانيا وفرنسا وألمانيا. أما حديث نائبه جو بايدن عن حق إسرائيل في أن تفعل ما تقرره تجاه إيران، فهو لم يكن تصريحاً بادر به ليعبر عن اتجاه قد يكون جديداً في السياسة الأميركية، وإنما كان رداً على سؤال خلال مقابلة أجرتها معه قناة "إي. بي. سي" في الخامس من يوليو الجاري. فقد سُئل: هل تمنع واشنطن إسرائيل إذا قررت ضرب إيران؟ فأجاب بأن إسرائيل دولة ذات سيادة تستطيع أن تحدد مصلحتها، وأن تفعل ما تقرره بالنسبة إلى إيران وغيرها، سواء وافقنا أم لم نوافق. لكنه قال، وفي المقابلة نفسها، إن خيار الحوار مع إيران مازال قائماً. كما أكد المتحدث باسم الخارجية الأميركية "ايان كيلي" أن بلاده لم تعط أي ضوء أخضر لأي عمل عسكري، رداً على سؤال صحافي عن مغزى كلام بايدن. وترتيباً على هذا كله، فالأرجح أن الرئيس أوباما لن يتخلى عن خيار الحوار مع إيران إلا إذا أيقن أن نظامها الحاكم لن يقابل يده الممدودة بهذا الحوار. لكن الخيار قد يصبح صعباً بالنسبة إليه إذا مدت طهران يدها لمساعدة أميركا في العراق، وليس للحوار حول مستقبل البرنامج النووي المثير للجدل. فهو في حاجة إلى تعاون إيراني من أجل خفض معدلات العنف، وتأمين انسحاب هادئ للقوات الأميركية. وتستطيع إيران أن تساهم في نجاح خطة الانسحاب، مثلما تقدر على إرباكها. ويتوقف ذلك على تقديم دعم لبعض الجماعات المسلحة من عدمه، خصوصاً ما يسميه الأميركيون في العراق "الدعم المميت". ويعتقد هؤلاء، وفي مقدمتهم الميجور جنرال ميشيل أوتس القائد العسكري للمحافظات الجنوبية التسع، أن دور إيران سيكون أساسياً في هذا المجال. ومن هنا صعوبة الخيار أمام أوباما إذا مدت إيران يدها لمساعدته في العراق من دون أن تلاقي يده الممدودة بالحوار حول برنامجها النووي بالجدية التي تضع حداً للضغوط الداخلية والإسرائيلية التي تدفع باتجاه التصعيد وصولاً إلى العمل العسكري. وربما يكون هذا الخيار أكثر صعوبة إذا صح ما يراه بعض الخبراء الأميركيين، وهو أن الرئيس أوباما لا يمتلك حتى الآن استراتيجية متكاملة تجاه إيران تربط قضية برنامجها النووي بقضايا العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان ومسألة السلام في الشرق الأوسط. ويذهب هؤلاء إلى أن هذا هو العامل الرئيسي وراء قراره نقل دينيس روس المكلف بالملف الإيراني من وزارة الخارجية إلى البيت الأبيض. ويقول أرون ديفيد ميلر، الذي عمل مستشاراً لشؤون الشرق الأوسط مع عدة إدارات أميركية، إن أوباما لم تُقدم له استراتيجية متكاملة حيال إيران حتى الشهر السادس لرئاسته، مما دفعه إلى إلحاق روس بالبيت الأبيض للمساعدة في بناء هذه الاستراتيجية. وسواء صح هذا التقدير أو لم يصح، فالأرجح أن تعاوناً إيرانياً مع الأميركيين في العراق لن يعوض، مهما بلغ، المرونة المطلوبة من طهران في شأن البرنامج النووي. فوحدها هذه المرونة هي التي تبعد شبح الحرب الإسرائيلية التي يسعى أوباما إلى تجنبها. Classifications