سيأتي يوم يقول فيه الضيف العجوز في البرنامج التراثي: آه يا زمان النت، كان الإنترنت في بدايات القرن الحادي والعشرين متوافراً فقط في جهاز يسمى كمبيوتر، وفي العيد كنا نتبادل التهاني بشيء كان يسمى "مسج"، والعمل يبدأ من العاشرة وينتهي في الرابعة عصراً، وكانت هناك سيارات وطائرات وقطارات، والأكل كان طازجاً ولذيذاً، كان هناك الكثير من الهمبرجر والعصائر المعلّبة والمشروبات الغازية والسجائر والشيشة، والناس، آه على الناس، كيف كانوا وكيف أصبحوا اليوم؟ رحم الله أيام زمان. يتنهد الضيف تنهيدة تجعل المذيع الشاب يبكي وهو يقول: لقد تغير كل شيء يا أيها الوالد، فالنت أصبح جزءاً من الجوّ ويتأثر بتقلبات الطقس. وفي العيد نهنئ بعضنا بعضاً عن طريق التخاطر عن بُعد، أفكّر فيك فتضاء لمبة فوق رأسك. والعمل يبدأ في العاشرة صباحاً ولا ينتهي إلا عند دقات الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، واندثرت وسائل النقل القديمة، فاليوم لكل إنسان إطاران بدلاً من النعال، ومروحة فوق رأسه تأخذه إلى السماء السابعة، والأكل ضار وبلا طعم، مجرد عقاقير وكبسولات، ومصيبتنا أكبر في الناس الذين ما عادوا ناساً... ثم مقطع موسيقي للموال البحري الشهير "هو يامال" مع صوت مروحة التهوية في الكمبيوتر، بدلاً من أصوات تلاطم الأمواج. الضيف أو الوالد لن يكون إلا واحداً من شباب "اليومين دُول" الذين يلعنون في الوقت الحالي أيامهم وطريقة حياتهم والبشر الذين يتعاملون معهم، ويعتقدون أن أيام "أول" كانت سمناً على عسل، وكان الناس هم الناس. أما المذيع الشاب، فسيكون واحداً ممن يلعنون أيامهم ويعتقدون أن أيام زمان، أي أيامنا نحن الآن، كانت بيضاً على طماطم، والناس أتقياء وأنقياء وأوفياء، وأوزانهم زائدة من الصفات الحميدة. الإنسان بطبعه يحنّ إلى الماضي، ليس لاعتقاده بأنه كان رائعاً، وإنما لأنه لن يعود، ولا يستطيع تذوّق جمال حاضره؛ لأنه يعيش في حالة من البلادة، فهو جزء منه ولا يستطيع أن ينظر إليه من خارج هذا الإطار، ويفكّر في المستقبل بطريقة تشاؤمية؛ لأنه يحسبها هكذا: إذا كان الماضي جميلاً، وكان الحاضر بلا طعم، فمن الطبيعي أن يكون القادم أسوأ. ويورد الأديب أبو منصور الثعالبي في رسائله هذين البيتين: مضى الأحرار فانقرضوا وبادوا وخلّفنـي الزمان على علــوج وقالوا قـد لزمت البيـت جـداً فقلــت لِفقـد فائـدة الخـروج بالطبع الثعالبي لا يقصد الجنود الأميركيين الذين كان محمد سعيد الصحّاف، وزير الإعلام العراقي في زمن صدام، يصفهم بالعلوج ويهدد بذبحهم، وإنما يقصد أبناء زمانه هو، أي الزمن الجميل، أو الذي نظنه كذلك، قبل ألف سنة بالضبط، فالثعالبي ينام في قبره منذ سنة 429 هجرية. وقبل قرون طويلة اعتقد شاعر أن من لم يكن ذئباً، "أكلته في ذا الزمان الذئابُ"، ولو كتب أحدهم اليوم قصيدة، لقال مثل ما قال شاعر الذئاب، فكل قوم يرثون زمانهم ويصفون ناسهم بالكلاب والذئاب، ويعتقدون أن من سبقوهم كانوا ملائكة يطيرون بأجنحة الصلاح والتقوى، بينما الحقيقة أن آخر الدهر شبهٌ بأولهِ، "ناسٌ كناسٍ وأيامٌ كأيامِ"، كما قيل. وصدق بديع الزمان الهمذاني الذي قال: وما فسد الناس، ولكن اطّرد القياس، ولا أظلمت الأيام، ولكن امتد الظلام.