يرى فريق من المُحللين السياسيين أن على الإدارة الأميركية أن تتخذ خطوات جديدة فيما يتعلق بسياساتها تجاه إيران. وحسب "الفايننشال تايمز"، فإن سياسات المحافظين الجُدد تجاه طهران، والمنطقة بأسرها، قد دمّرت عملية بناء الثقة بين الطرفين. وبمجيء الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض، تولدت فرصة لتغيّر مواقف الولايات المتحدة تجاه إيران عبر محادثات تكون لهجتها أقلَ استفزازاً. وترى الصحيفة أن مواقف أوباما المُعلنة، والمُستترة، لم تقنع الجانب الإيراني. وهو ما أعلن عنه نائب الرئيس الأميركي -في ميونيخ- مؤخراً، مشيراً إلى أن سياسة "العصا والجزرة" ما عادت تقنع الإيرانيين، وأن حشدَ التأييد الدولي لسياسات الولايات المتحدة من جانب، والضغط على طريق المفاوضات، لا يعني اختلافاً عن نهج الرئيس السابق بوش، وإن كان ذلك يتم بكلمات مختلفة. وكان الرئيس الأميركي قد دعا إيرانَ إلى الحوار من جديد، وذلك بمناسبة احتفال الإيرانيين بعيد "النيروز"، لكن حالة عدم الثقة والتشكيك في النوايا بين البلدين، لم تمكن تلك الدعوة من أن ترى النور، وكانت كسابقاتها. ويتلخص موقفُ واشنطن من طهران في الآتي: ترغب الولايات المتحدة أن تلغي إيران برنامجها النووي -المؤدي إلى بلوغها السلاح النووي. كما تريدها ألا تكون حَجرَ عثرة في طريق سلام شامل ودائم في الشرق الأوسط. وأن تتوقف طهرانُ عن إثارة القلاقل في العراق بدعمها طرفٍاً ضد طرف آخر. كما ترغب الولايات المتحدة أن تكفَّ طهرانُ عن دعمها الواضح للحركات المتطرفة سواء في لبنان أم في الأراضي العربية المحتلة. وفي المقابل، يتلخص موقفُ طهران من الولايات المتحدة في الآتي: أن إيران دولة ضاربة في عُمق التاريخ والحضارة الإنسانية، ولها ثقل استراتيجي، الأمر الذي لا ينبغي معه أن تتعرض لحظر من أي نوع، خصوصاً الاقتصادي منه. كما أن لها الحق في الحصول على الطاقة النووية مثلها مثل أية دولة في العالم. وأن ذلك لا علاقة له بالقنبلة النووية! كما تريد إيرانُ من واشنطن اعترافاً بها كدولة ذات سيادة. بل إن طهران مازالت تستحضر شواهدَ التاريخ الماضية، وترى في الولايات المتحدة "شيطاناً أكبر"، وتصفها بأنها نهمة في احتلال مناطق عديدة من العالم، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة. وطبقاً لمواقف دول المنطقة -ومنها دول مجلس التعاون الخليجي- فإن حدوث صِدام عسكري أو اعتداء على إيران ليس في صالح المنطقة، ولا في صالح إيران، ولا في صالح الولايات المتحدة نفسها، وإنْ "أفرَحَ" ذلك تلَ أبيب، وقلل من انسياب الدعم الذي تقدّمه طهرانُ لـ"حزب الله" والفصائل الفلسطينية. كما أن مسؤولين أميركيين قد استبعدوا "نجاعة" المواجهة العسكرية مع إيران. وكان الأدميرال "مايك مولين" رئيس هيئة الأركان في الجيش الأميركي، بعد زيارة له لإسرائيل العام الماضي، قد لفت النظر إلى المخاطر التي يُمكن أن تترتب على المواجهة مع طهران على النحو التالي: - إنّ فتحَ جبهة ثالثة (بعد أفغانستان والعراق) في إيران سيُلحق أضراراً كبيرة بقدرات الجيش الأميركي. - إنّ الحوار هو أفضل أسلوب للتعامل مع الملف النووي الإيراني. - إنّ الاقتصاد الأميركي ليس بأفضل أحواله مع استمرار "نزف" المصاريف العسكرية في أفغانستان والعراق. - إنّ بعض التصريحات الإيرانية تحمل طابعَ الهدوء، وهذا يمكن أن يؤدي إلى حوار دبلوماسي ناجح. ويرى محللون أن عدمَ اتهام واشنطن علانية وبصورة مباشرة لإيران بممارسة أنشطة إرهابية معادية للولايات المتحدة قد "يُليّن" الموقفَ الإيراني! ولكن المعضلة التي تقف في هذا الطريق هي الكراهية في الموقف الإيراني تجاه إسرائيل. وهذا ما يُعتبر عموداً ارتكازياً في الأيديولوجية الإيرانية! وكما أن الولايات المتحدة لا تُصرّ على أن تعترف طهرانُ بإسرائيل، أو أن تدعمَ مفاوضات السلام، فإن واشنطن تعارضُ بشدة الدعمَ المالي الإيراني الذي يُستخدم لتدريب أفراد الفصائل الفلسطينية المُعارضة لاتفاقيات السلام في الشرق الأوسط. ولعنا نختلفُ مع بعض الطروحات التي تستبعدُ نجاعة الحوار! وتحاولُ قولبة موقفِ الولايات المتحدة تجاه إيران في اتجاه مُحدد هو: إما التوصل إلى تسوية شاملة وإما إلى مواجهة شاملة! إذ مهما نجحت الولايات المتحدة في حشد التأييد الدولي لجهودها، وتحييد أصدقاء طهران فيما لو أرادت عزلها دبلوماسياً، فإن الاتجاه العالمي، والنظام الدولي يفرضان استبعادَ المواجهة العسكرية في أية بقعة من العالم، فما بالكم في الشرق الأوسط، المُلغّم ببؤرِ الانفجار؟! إن أهم قضيتين تؤرقان الطرفين (الأميركي والإيراني) هما: الملف النووي الإيراني، والموقف الإيراني تجاه إسرائيل. ذلك أن الولايات المتحدة قادرة على "لجم" جيران إسرائيل بوسائلها المعروفة، وتأمين حدود إسرائيل، لكنها لا تستطيع كبحَ جماح إيران وقدرتها -إنْ اكتملَ سلاحُها النووي- على مهاجمة إسرائيل ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة. وأما القضايا الفرعية التي يُمكن أن تخلقها طهران، مثل زيادة تدخلها في العراق، أو تحريك بعض الخلايا النائمة في الخليج، فهذه قضايا لا نشعرُ أنها تُقلق أياً من الطرفين! وهناك رؤيتان في هذه القضية، الأولى لـ"مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" والثانية لـ"مركز سابان" التابع لمعهد "بروكنجز". ونظرة المركز الأول تركز على أن على الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة أن تتلمس طريقاً ثالثةً -بين الرضوخ لإيران النووية أو مهاجمتها. وتم تعريف هذا الطريق باستراتيجية المنع (Prevention)، بدلاً من استراتيجية الردع. أما نظرة مركز "سابان"، فتدعو إلى مبادرة أميركية تتضمن حواراً مباشراً وغير مشروط مع إيران، وعدم جعل مطلب تعليق تخصيب اليورانيوم شرطاً مُسبقاً. ولكن يمكن تحويل التعليق إلى شرطٍ للتقدم في المفاوضات. وأن تكون واشنطن مستعدة لمناقشة -ما تقوله إيران- عن حقها في التخصيب، وقد يكون من الضروري في النهاية الاعترافُ بهذا الحق. ومن جانبها، يبدو أن إيران غير عابئة بكل ما يجري في مراكز البحوث الأميركية، أو في ردهات "البنتاجون" أو سراديب "السي أي أيه"! فلقد أطلقت مؤخراً صواريخ "سجّيل" بعد ساعات من محادثات كان قد أجراها "نتانياهو" مع أوباما في واشنطن. ويستطيع الصاروخ من هذا الفصيل الباليستي قطعَ مسافة تصلُ إلى ألفي كيلومتر، وهو قادر على الوصول ليس إلى إسرائيل فحسب، بل وإلى دول جنوب شرق أوروبا أيضاً. وقد أشعل هذا التطور الضوءَ الأحمر في إسرائيل ودول أخرى، واعتُبر استفزازاً للدول الغربية، وأن إيران قد قابلت دعوة أوباما للحوار بهذا التطور العسكري غير المقبول. والحال أن المسؤولين الأميركيين نظروا بجدّية في هذا التطور الأخير. وقد أعلنت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أن القوة النووية الإيرانية تعني "إشعالاً لسباق التسلح في الشرق الأوسط"، وأنها "تشكل تهديداً هائلاً"! ومن جهته، أكد الرئيس الإيراني رفضه تجميدَ البرنامج الإيراني مقابلَ تجميدِ العقوبات. وتجاهلَ موضوعَ الملف النووي الإيراني بإشارته إلى أن "المحادثات مع القوى الكبرى ستكون فقط في إطار التعاون للتعامل مع قضايا عالمية وليس لشيء آخر". وهذا الموقف يُعيدنا إلى المُربع الأول، وأنّ كلَ الاحتمالات التي أشرنا إليها تظل رؤى لا يُمكن التحققُ من نجاحها أو تفعيلها. وهذا يعني، أن الإدارة الأميركية، وحتى بعد مجيء أوباما تبقى غير "مُحَصّنة" من إمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري! وعندها تنقلب كلُ الموازين، وتأسف كلُ مراكز البحوث -وعملاء الـ"سي. أي. أيه"- على لياليها الطوال وسهر باحثيها على المراهنات الدبلوماسية وبالونات الاختبار بين عدوين لدودين يسيران في اتجاهين مُختلفين.