عندما ننظر إلى الأمم المتحدة، أو الـ"سي. آي .إيه"، أو شركات اليابان العملاقة، أو مجموعات الشركات العائلية الكبرى في كوريا الجنوبية والتي يطلق عليها اسم Chaebol، أو الوزارات الحكومية في أميركا اللاتينية، أو المشروعات المملوكة للدولة في الصين، أو الأجهزة البيروقراطية التابعة للاتحاد الأوروبي الموجودة في بروكسل، فسوف نرى شيئا واحدا وبوضوح. هذا الشيء هو أنه في الوقت الذي تتركز فيه أنظار العالم على الحرب على الإرهاب، أو على التهديدات الموجهة للاقتصاد العالمي، أو على الإيدز، أو السارس، أو البيئة، فإن هذا العالم لا يبدي سوى اهتمام ضئيل بالأزمة المؤسسية العالمية السريعة الانتشار، والتي تتمثل في تعرض المؤسسات والمنظمات الديمقراطية الكبرى في كل مكان لمتاعب جمة، لأن العالم من حولها يتغير بإيقاع أسرع من الإيقاع الذي تتم به عملية صنع القرارات داخل تلك البيروقراطيات. والسؤال الذي يواجهنا في هذا السياق هو: هل تستطيع تلك المؤسسات، وكذلك آلاف الشركات الكبيرة في جميع أنحاء العالم تغيير نفسها، كي تتمكن من الاستمرار في هذا العالم الذي يتقدم بوتائر لم يسبق لها مثيل في التاريخ!.
في إطار تصديها لذلك التحدي، تواجه المؤسسات الكبيرة مقاومة داخلية هائلة خصوصاً عندما يتطلب الأمر إجراء إصلاحات واسعة النطاق. ويستخدم المقاومون العديد من الأساليب والحجج لتأجيل إجراء أي تغيير، أو إخراجه عن مساره، متى ما رأوا أن هذا التغيير سوف يغير النمط الذي كانت تسير عليه الأمور من قبل. فأي اقتراح بإدخال تغيير ذي مغزى، يتعرض غالبا للهجوم والانتقاد من قبل هؤلاء المقاومين باعتباره إما غير عملي، أو خطرا للغاية، أو مكلفا أكثر من اللازم.
ويعمل المقاومون الموجودون في الشركات عادة على مقاومة التغيير من خلال الادعاء بأن التغييرات الكبرى غالباً ما تؤدي إلى إلحاق الضرر الجسيم بالعمليات المهمة الجارية، وهو نفس الإدعاء الذي قدمه المسؤولون عن الاستخبارات المركزية الأميركية، عندما ألمح بعض أعضاء اللجنة التي تقوم بالتحقيق في هجمات الحادي عشر التي وقعت على برجي مركز التجارة العالمي، إلى أن الأمر يستدعي إجراء تغييرات وظيفية واسعة النطاق، وتعديلات هائلة على المسؤوليات داخل منظومة الاستخبارات الأميركية.
ومن الأساليب الأخرى لمقاومة التغيير ما يعرف باسم أسلوب " الإبطاء" ، الذي يقوم من خلاله المقاومون للتغيير بكتابة عدد لا يحصى من الأوراق، والانخراط في عملية تخطيط وإعادة تخطيط لا نهاية لها، مع عدم إنجاز سوى أبسط التغييرات، وأقلها شأنا. ويمكن تطوير أسلوب "الإبطاء" وتحويله إلى الأسلوب المعروف باسم أسلوب ( الانتظار حتى تمر العاصفة) أي الانتظار والصبر حتى يقوم كبار الداعين إلى إجراء تغييرات شاملة بالتقاعد، أو يتم نقلهم إلى مواقع أخرى.
ومن ضمن الأساليب التي يتم إتباعها لمد فترة التأجيل اسلوب "تحقيق الفوز" من خلال هز ثقة الخصم بنفسه Gamesmanship. كما يمكن استخدام هذا الأسلوب أيضا من قبل المسؤولين الموجودين على القمة من خلال قيامهم هم أنفسهم بالدعوة لإجراء تغييرات ضخمة. وهناك أيضا أسلوب شرحه لنا يوان بايرد (رئيس مجلس إدارة، والمدير العالم لمؤسسة شلمبرجر، وهي مؤسسة تعمل في مجال خدمات النفط)، عندما قال لنا: عندما كنت أسعى إلى إجراء تغيير كبير في نقطة من النقاط، فإنني كنت أحاول أن أجعل هذا التغيير يبدو صغيراً.
أما الأسلوب العكسي فهو أسلوب يتم استخدامه عادة من قبل مديري الحلقة الوسطى المعارضين للتغيير، ويقومون من خلاله بجعل أي تغيير تدريجي صغير يبدو وكأنه تغيير (ثوري) أو (جذري). ومن الأساليب الأخرى، التظاهر بتقديم دعم حماسي لإجراء تغييرات عميقة، مع القيام في نفس الوقت بإعداد مقترح للميزانية الخاصة بتلك التغيرات، يجعلها تبدو باهظة التكاليف.
كل تلك الأساليب يمكن إدراجها تحت إطار المناورات التكتيكية، إما إعادة تشكيل أو استبدال مؤسسة عملاقة سواء اكانت حكومية أم خاصة فيعتبر من المهام الشاقة للغاية. ولقد أتيحت لنا ذات مرة فرصة لملاحظة تلك العملية وهي تتم على الطبيعة وفي موقع استثنائي.
ففي عقد الستينيات من القرن الماضي، كانت أكبر شركة في العالم هي شركة الهاتف والتلغراف الأميركية "آي. تي آند تي" American Telephone and Telegraph Inc، التي كان يعمل بها في ذلك الوقت حوالي مليون موظف! ولم تكن تلك الشركة مجرد شركة خاصة عادية، مثلها مثل غيرها من الشركات في الولايات المتحدة الأميركية، وإنما كانت عبارة عن شركة احتكارية خاضعة لإشراف وتنظيم الحكومة الأميركية، ما كان يجعلها مؤسسة قومية بامتياز. وكانت تلك الشركة تضم أكبر مختبرات الأبحاث الصناعية تطوراً، وكانت تدير أكبر وأفضل شبكة هواتف في العالم. كانت تلك الشركة باختصار مثالاً بارزاً على ذلك النمط من الشركات المتكاملة رأسياً، والمنتمية للعصر الصناعي، والمصممة للإنتاج الكبير من السلع والخدمات. ولكن وبحلول عصر الهواتف الرقمية، بدا واضحا أن الشركة لا